دعوة للتصالح مع النفس

الخميس 2015/06/18

أتابع منذ فترة، كغيري من الهولنديين، قصة تحول صحفية هولندية من أصل عربي من بنت إلى ولد. الفتاة اختارت أن تجعل رحلة تحولها أو “طريق الوصول إلى الذات”، كما تسميها شأنا عاما يتابعه الجميع بالصور والفيديوهات والمقالات التي تكتبها وتنشرها على البلوغ الخاص بها.

برامج تلفزيونية كثيرة استضافت الصحفية لتسألها عن سبب هذا التحول المفاجئ، خاصة وهي المعروفة بجمالها وفتنة عينيها، ومعروفة أيضا بلقطة اشتهرت إبان سقوط دكتاتور عربي، حيث أقدمت على الرقص، بقدمين حافيتين، فوق طاولة أحد أشهر البرامج الحوارية الهولندية رقصة شرقية وجد كثيرون أنها تميزت بأنوثة صارخة وجمال أخاذ.

في إحدى الحلقات التي استضافتها، عرضوا عليها فيديو الرقص وسألوها عن رأيها فقالت بشجاعة مفرطة “نعم هذه أنا التي كنتها، وهي لا تختلف كثيرا عن أنا التي أوجد عليها الآن”.

تقول الصحفية الهولندية أنها كبرت بمشاعر مختلفة، وكانت كلما نظرت إلى المرآة استغربت من الشكل الذي تراه أمامها وراودها إحساس بأن التي تقف أمامها شخص آخر لا يمثلها، ولا يعكس ما بداخلها.

ورغم أن الكثيرين استغربوا إقدامها على هذه الخطوة، إلا أن أصدقاءها والمقربين منها، وحتى بعض أفراد عائلتها، يشيدون بشجاعتها في اتخاذ قرار يخصها وحدها، وينقلها من عالم “الانفصام”، “الاغتراب” و”الكآبة”، إلى عالم أكثر توحدا وتلاؤما مع مشاعرها وشخصيتها.

في أحد حواراتها التلفزيونية سألتها مقدمة البرنامج إن كانت راضية عن هذا التحول، وإن كانت تشعر بسعادة أكثر فقالت “لم أتحول من فتاة إلى شاب، لم أكن فتاة بالمعنى الكامل، ولن أصبح شابا بالمعنى الكامل، لست مع التصنيفات المتطرفة والصناديق والمعلبات، لا يجب أن يكون هناك ضد وضده، هناك أيضا أنصاف الأضداد، وأرباعها وما بينها كثير”.

الحقيقة، وإن اختلفنا معها، فإن كلامها فيه كثير من الصدق. فالدراسات النفسية والبيولوجية أثبتت أن داخل كل رجل توجد هرمونات أنثوية، وداخل كل امرأة توجد هرمونات ذكورية، بل إن التطور الجيني يمر في أولى مراحله بمرحلة تتساوى فيها الأنوثة بالذكورة ثم يقع الانحراف لاحقا نتيجة نقص هرمون معين لدى الذكور، وبالتأكيد نحن الفتيات لن ننسى ما كنا نقوم به في الصغر من أعمال وتصرفات غريبة ومضحكة، تشبها بالذكور في محيطنا، وأكاد أجزم أنه لا توجد بيننا من لم تتبول واقفة وهي تدفع بوسطها إلى الأمام واضعة يديها على خصرها، كما يفعل الأولاد. وطبعا، لا يجب أن تفوتنا تحليلات فرويد الشهيرة عن ما أسماه بـ“عقدة القضيب”، من أن الأنثى تحقد على الرجل لامتلاكه ذكرا، وأن البناء السيكولوجي للمرأة يمر عبر إحساسها المتجذر بالنقص.

حاولت أن أجري حوارا مع الصحفية، لكنها رفضت. حجتها ببساطة أنها تخشى على نفسها من المضايقات في بلدها الأصلي، ولأنها تزور بلدانا عربية كثيرة للقيام بتقارير ومراسلات لمؤسسات إعلامية هولندية، لذلك لا ترغب في تعرض نفسها وشغلها للعرقلة والتعطيل.

قالت إن صديقاتها العربيات سعيدات بتحولها ويمزحن معها قائلات “ننتظر تحولك بفارغ الصبر لتتزوجي واحدة منا”. الصحفية التي تبدو اليوم شابا وسيما بعينين خضراوين وشفتين ناعمتين، ترى أن حظوظها أوفر كشاب، وربما وجدت أخيرا طريقها إلى سعادة حقيقية.

حسنا، هل هذه دعوة للتحول؟ لا، إنها دعوة للتصالح مع النفس. ليس بالضرورة فيما يخص الجنس أو الميولات الجنسية، فأمامنا الكثير لنبلغ هذه الدرجة من التسامح، لكن في أشياء كثيرة أخرى، أقل حدة وصدامية، وأكثر قابلية للمعالجة، وما أكثرها لدينا، وإذا كانت هذه الصحفية تمكنت من اتخاذ قرار صعب كهذا، ودعت العالم ليشاهد رحلتها نحو نفسها، فلا بد أننا قادرون على اتخاذ قرارات أقل صعوبة بكثير، لكنها تنقلنا من عالم الانفصام والعزلة النفسية والضياع إلى عالم أكثر تصالحا مع أنفسنا ومع الآخرين؟

21