دعوة للعشاء

ميسي ورونالدو كتبا قصة تنافس مستعر لانتزاع الزعامة دام 15 عاما ولا يزال متواصلا، لكن لا أحد منهما تقدّم على الآخر بمسافة بعيدة، كل منهما ينهض سريعا بعد كل تراجع بسيط ليعود أقوى بكثير.
الأحد 2019/09/01
الأسطورتان في حديث الذكريات

ميسي ورونالدو، لكل واحد منهما سيرة ومسيرة، سيرة نجم ومسيرة بطل، هما ينتميان بلا شك إلى سلالة عباقرة كرة القدم، بل هما امتداد لأساطير الماضي، مثل بيليه ومارادونا.

ربما ما يميّزهما عن بيليه ومارادونا أنهما لعبا في الحقبة ذاتها، وكل منهما يدفع الآخر للاجتهاد والتطوّر، فغزا هذا الثنائي العالم بأسره، وبقيا على امتداد سنوات طويلة على العرش.

بحساب السنين والمواسم يظل ما يقدّمه ميسي ورونالدو أمرا خرافيا، وربما يتجاوز في بعض التفاصيل ما قدّمه كل من بيليه ومارادونا. لقد كان كل واحد منهما يقود الآخر إلى بذل جهد أكبر والحرص على البقاء في القمة.

هي مسيرة وسيرة نجم وبطل، كانت هناك محطات للتقاطع والاشتراك، كل منهما عمل على التفوّق على الآخر، كان التنافس بينهما أشبه بمعركة طاحنة هدفها الاستحواذ على الصف الأول.

فالمتعارف لدى الجميع أن كرسي الريادة والصدارة لا يتسع إلاّ لشخص فقط، لكن في زمن هذين اللاعبين، تبدلّت القاعدة وتغيّرت المفاهيم، لقد تمدّد الكرسي “مكرها” كي يتسع لاثنين، كي يحتضن قطبين متناقضين.

إنجازاتهما خوّلت لهما ذلك، وسباقهما المحموم والمستمر طويلا نحو الأفضل ونحو تحطيم كل الأرقام القياسية منحهما هذا الشرف الاستثنائي.

ميسي ورونالدو كتبا قصة تنافس مستعر لانتزاع الزعامة دام 15 عاما ولا يزال متواصلا، لكن لا أحد منهما تقدّم على الآخر بمسافة بعيدة، كل منهما ينهض سريعا بعد كل تراجع بسيط ليعود أقوى بكثير.

اشتعل الصراع بشكل خاص في إسبانيا، حيث “الليغا”، هناك نشأ ميسي ولعب طوال مسيرته الرياضية، وهناك لعب رونالدو أيضا وقضّى أزهى فترات مسيرته الكروية.

كانت تسع سنوات ونيف من “استعراض العضلات”، من القوة والإبداع، من العبقرية وتبادل الإشعاع. تسع سنوات بحساب لغة الكرة الإسبانية وست سنوات أخرى مستمرة من الصراع الأوروبي العالمي الشامل، لفرض الذات وكسب معركة الاستحواذ. بدا الصراع حاميا للغاية، تنافس يتّقد بنار المهارة والموهبة، صراع أجبرنا على الاعتقاد بأن العلاقة بين الأسطورتين يكسوها لون “العداء”.

ولعل استقطاب الغريمين الأزليين في إسبانيا وأوروبا ريال مدريد وبرشلونة لهذين اللاعبين وجعلهما متنافسين مباشرين، زيّن في عقولنا فكرة أنهما أشبه بمحاربين كل منهما يتمنى الإجهاز على الآخر، كي يبسط سلطانه ويستوي على عرش الكرة العالمية.

لسنوات طويلة توهّم الغالبية منّا هذا الأمر، اعتقدنا أنهما لا يشبهان بعضهما في شيء إلاّ في العبقرية والموهبة الفذّة، خاصة وأن لكل لاعب منهما طريقته وأسلوبه الخاص، ولكل منهما “أسلحته” التي تحوّلت إلى “ماكينة أهداف”.

هناك العديد من نقاط الاختلاف الذي صوّرت لنا هذه الصورة “العدائية” في علاقة اللاعبين، ومن بينها أن ميسي لم يعرف سوى قميص واحد منذ بداية مسيرته إلى اليوم، في حين غيّر رونالدو الألوان في العديد من المرات.

لكن فجأة تكشّفت الصورة الحقيقية، بل تجلّت الحقيقة، كانت ناصعة وبرّاقة إلى درجة أنّها كادت تصيب البعض بالإبهار بعد إدراك ماهيّة هذه العلاقة الرابطة بين الأسطورتين.

هذه الحقيقة توضّحت في أبهى تجلياتها خلال الحفل الذي نظّمه منذ أيام الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لاختيار اللاعب الأفضل في القارة العجوز خلال الموسم الماضي.

جلس رونالدو على اليمين، كان ميسي إلى جانبه والهولندي فيرجيل فان ديك المتوّج لاحقا باللقب جلس في أقصى اليسار، ربما هي الصدفة فقط ما حدّدت مكان جلوس هؤلاء اللاعبين، لكنها صدفة أوضحت الصورة كاملة. فقبيل الإعلان عن اسم الفائز، حصل الحدث الأهم والأبرز في هذا الحفل، حدث خطف كل الأضواء وأحال كل الأمور الأخرى مجرّد تفاصيل.

لقد تجاذب ميسي ورنالدو أطراف الحديث، بدا الحديث وديّا للغاية، حتى أن ضحكاتهما ملأت المكان، كل الأعين تركّزت حولهما، ليصل الأمر إلى نقل هذا الحديث بين الأسطورتين بالصورة والصوت. لقد كال كلّ لاعب المديح للآخر، كلّ منهما أكّد أنه يكنّ كل الاحترام والمودّة للطرف الآخر.

امتد حديث اللاعبين، ليلخّص مسيرة التنافس بينهما الممتدة منذ سنة 2004، ميسي قال إنه افتقد تلك المنافسة الرائعة التي كانت تجمعه برونالدو في الدوري الإسباني، قال إنه معجب كثيرا بأداء رونالدو وأكّد أنه بوجود هذا اللاعب تحسّن مستواه كثيرا.

أما النجم البرتغالي، فلم يكن أقلّ سخاء عند الحديث عن ميسي، أكّد بدوره أنه يفتقد أجواء الليغا والمنافسة القوية مع ميسي بعد رحيله إلى اليوفي، أوضح أن كل لاعب دفع الآخر إلى ذروة المجد والعطاء.

الأكثر من ذلك أن كلّ واحد منهما نفى تماما بهذه العبارات العاطفية جميع الشكوك بخصوص الفتور والتوتّر في علاقتهما، بل إن رونالدو قال بصريح العبارة إن العلاقة بينهما خارج الميدان جيّدة، داعيا ميسي إلى حفل عشاء.

لعمري، هي أصدق لحظات التنافس بين لاعبين طبعا أغلب سنوات بداية الألفية الثالثة، لقد انتفت إلى الأبد كلّ الصفات السلبية التي يمكن أن ترتبط بهذا الصراع الثنائي، لقد تحدّدت بشكل علني وجليّ ملامح الودّ بين طرفي العبقرية الكروية في هذا الزمان.

ومن المؤكد أن التاريخ سيخلّد كل الإنجازات الرائعة والأرقام القياسية للاعبين، لكن الأهم من ذلك أن هذه المسيرة المشتركة رغم ما ميّزها من تنافس مُحتدم للغاية ستنتهي قريبا، ستنتهي بكل احترام، ستنتهي بحفل عشاء بكلّ ما فيه من ودّ واعتراف وتقدير.

23