دعي الهم ونامي.. يا أمي

السبت 2015/05/02

أهكذا يبدو الموت!

كيف لهذه الأم أن تنحني على طفلها الكبير فتقبله قبلة أخيرة وتغادره وحيدا أعزل، إلا من حفنة تراب باردة تحتضنه مثل دثار فتمضي هكذا إلى حال سبيلها فلا تترك نظرة إلى الخلف، وكيف لها أن تلتزم الصمت وتربت على فجيعتها حين ترقب بقع الدماء اللزجة وذرات الغبار الكريهة وهي تعبث بالملامح العذبة والوجه العذب، بعد أن قضت سنوات حياتها وهي تغسله بدموع صبرها وتعطره بحنانها وتعمّد جبينه بأنامل دعواتها؟ وكيف لها أن تنصت لضجيج ضحكات الأمهات في الشارع المجاور وأصوات مرح الصغار في مدرسة الحي، وزقزقة عصافير الصباح حين تلاقي خطوات المارة وهم يمضون إلى نهار جديد، وهي لا تملك سوى أصوات الوحدة وهمس الرحيل في منزلها الخاوي من الذكريات. لماذا اختارها هذا القدر الأعمى من دون الأمهات وصار يوزع عليها أدوارا جديدة لا تليق بها؟

تذكرت أم حسن العراقية التي فجعت قبل عام بسبعة من أبنائها في تفجيرات إرهابية، وتذكرت أم مفيد التي افترشت تربة كانت احتضنت رفات أخيرة لفلذة كبدها المغدور من دون أن تهديها قطرة دمع واحدة، فمرت أرقام كثيرة في شريط ذاكرة ممزق تقبع بين فواصله أمهات، فقدن حبلهن السري على مبعدة عشرين عاما في الطريق التي كانت تؤدي إلى المقابر الجماعية، فهناك، فتحت سهام تابوت ابنها الجندي الجميل فلم تجد أثرا لذراعه التي طالما قبلتها ووضعت في راحتها حفنة من النقود الصغيرة والدعوات، وهناك أيضا ودعت فاطمة جسد ولدها المدمى وابتسامته التي أطفأتها كآبة الموت قبل أن تسلّم روحها إلى غيبوبة طويلة من الصمت. تذكرت أم ياسر التي فقدت بصرها وولديها في يوم واحد، وأم فؤاد وهي ما زالت تبحث في الركام عن بقايا قطع من جسدها فارقتها عنوة إلى مصير مجهول، وأم ثامر التي رفضت الطعام والشراب واكتفت بمعاتبة الأرض التي ضمت جثمان وحيدها وما ارتوت من دمائه.

ماذا تفعل الأرقام في سجلات المفقودين والراحلين والموجوعين، هل تقبل الأحزان القسمة على اثنين في لعبة الفواجع هذه؟ أتأخذ أم حسن قبضة من الحزن وتترك الباقي لتتشاركه نساء غيرها، أتسترد أم ياسر بصرها لتلمح جسد وحيدها في رثاء أخير، ريثما تضع الأحزان أوزارها؟

وكيف لنا -بعد ذلك- أن نضم أبناءنا إلى قلوبنا ونتنسم عبير أرواحهم العذبة من دون أن نرتجف ومن دون أن تقفز دموع هذه الأمهات من أحداقنا أو تعتصر قلوبنا لوعة اشتياقهم؟ هل نغلق شاشات تلفازنا ونمزق أوصال الصحف والمجلات وأجهزة الكمبيوتر، فندفن رؤوسنا المعذبة في رمل اللامبالاة ونرتاح؟ يا أجمل الراحلين، متى ستنام أمك قريرة الفؤاد وكيف لها أن تقطع مد الذكريات الجميلة بسكين الانتظار، وكم من الوقت تبقى ريثما تضمكما أبدية لا فراق فيها ولا نحيب؟

ذات قصيدة، كان محمود درويش يربت على فزعها ويقول: “يا أمي، جاوزت العشرين.. فدعي الهمّ ونامي، إن قصفت عاصفة تشرين فجذور التين راسخة في الصخر وفي الطين، تعطيك غصونا أخرى وأخرى!”.

لن تنبت للأمهات في طين وطني غصونا أخرى، فالشجرة لم تعد قادرة على منح الحياة بعد أن ذابت جذورها في جحيم الهمّ.

21