دع الحاضر يستذكر التاريخ

مبابي الذي ولد ليكون نجما أسطوريا وتاريخيا، خطف كل الأضواء وحطم كل الأرقام القياسية. فهو اللاعب الأصغر سنا على مرّ التاريخ الذي ينتقل من فريق إلى آخر بصفقة ناهزت 180 مليون يورو.
الأحد 2018/10/14
مبابي دخل بقوة نادي الأساطير والعظماء

حدّث التاريخ الكروي العالمي، فقال إن هناك أساطير كتبوا أسماءهم بأحرف من ذهب، لقد تركوا إرثا عظيما لا أحد قادر أن يمحوه، هناك دون شك مارادونا وثمة بلا ريب بيليه، لقد شكّلا الثنائي الأكثر إثارة في زمن الكرة المجيد.

وتتالت بعد ذلك الأسماء، لقد سطع أكثر من نجم في السماء. لاعبون كثر للغاية تركوا أيضا إرثا خالدا، مرّت السنون سريعا، والقائمة تضم “عظماء” أعطوا الكثير للكرة العالمية، ربما آخرهم ميسي ورونالدو في الوقت الراهن، لكن قطعا فإن القائمة لن تغلق أبدا طالما هناك مكان يتسع لكل متألق وجهبذ.

كل هذا الحديث ليس إلاّ مقدمة لكلام مستفيض عن نجم لا يشقّ له غبار، نجم شقّ الطريق بسرعة الضوء، بات اليوم رغم صغر سنه، حيث لم يبلغ بعد سن العشرين، واحدا من أفضل اللاعبين في كوكبنا وأحد المرشحين لنيل جائزة الأفضل في العالم.

حديثنا يخص الفرنسي الواعد المبهر كيليان مبابي الذي يبدو اليوم وبكل بساطة بصدد إعادة صياغة التاريخ بفضل ما قدمه في حيّز زمني للغاية. لقد اختصر كل المسافات، وبهذا الحاضر الموغل في النجاح استحضر فصول نجاحات أسطورية لمن سبقوه، بل إن حاضره استذكر التاريخ وجعله واقعا مقضيا.

مبابي لا يشبه ميسي ولن يكون يوما ما نسخة جديدة لرونالدو. مبابي يختلف عن كل النجوم الآخرين الذين يرتعون بكل براعة وتألق عالمي لافت في هذا الزمان. مبابي يبدو أنه بصدد تقديم نفسه كأحد نجوم ذلك الزمن القديم الذي كان ميزته الأساسية البريق الأخّاذ الساحر لـ”فلتات” الكرة.

صياغة مبابي للسيرورة الكروية واستذكاره التاريخ بدآ يتجسدان شيئا فشيئا، وبدأ الأمر يتضح رويدا رويدا، ففي موسمين ونيف قدم نفسه وأثبت للعالم أنه لاعب استثنائي كأنه بيليه يبعث من جديد.

دعنا عندما نتحدث عن هذا اللاعب نبدأ من الحلقة الأخيرة لشريط الإنجازات العديدة لنجم باريس سان جرمان، فذات سهرة كروية ودية جمعت منذ أيام قليلة المنتخب الفرنسي بنظيره الأيسلندي، برز مبابي كأنه ملاك حارس قادم من السماء لينقذ المنتخب المتوج خلال الصائفة الماضية بكأس العالم من هزيمة مخجلة.

لقد غيّر مسار المباراة بلمح البصر، كان المنتخب الفرنسي متأخرا في النتيجة بهدفين، لكن مبابي أعاد الأمور إلى نصابها بفضل لمحاته المتفردة ولمساته الساحرة، فعدّل الكفّتين ببراعة مدهشة جعلت الصحف الفرنسية تتغنى مجددا بهذا الفتى الموهوب.

وقبل ذلك تمكن مبابي من تقديم نفسه مجددا مع فريقه الباريسي كأفضل ما يكون سواء في منافسات الدوري المحلي أو في دوري الأبطال، لقد سجل إلى حد الآن ثمانية أهداف. أما في دوري الأبطال فقد ترك بصمته في مباراتين متتالين، سجل ضد ليفربول وكرّر الأمر ذاته ضد فريق زفيزدا الصربي أو ما يعرف سابقا بالنجم الأحمر ببلغراد.

ربما ما حققه في بداية هذا الموسم لا يبدو كافيا كي يبرهن نجاحه في استحضار “روح” بيليه على الملاعب اليوم، ولذلك من المنطقي والبديهي العودة خطوات قليلة إلى الوراء.

خطوات تعيد عقارب الساعة إلى الحدث الكروي الأبرز الذي أقيم منذ حوالي ثلاثة أشهر في روسيا، ففي تلك الحقبة أعاد مبابي كتابة التاريخ. لقد قاد منتخب بلاده للحصول على التاج العالمي بفضل أهدافه المميّزة وعطائه الغزير.

لقد دخل بقوة نادي الأساطير والعظماء، تجاوز بهذا الإنجاز عباقرة هذا الزمان، فلا ميسي ولا رونالدو ولا نيمار تمكنوا من الظفر بالتاج، وحتى زيدان لم يحقق الإنجاز، زيدان قاد فعلا فرنسا للحصول على كأس العالم، لكنه لم يكن فتى يافعا مثل مبابي صاحب الـ19 ربيعا.

فقط بيليه سبق مبابي، بيليه في الزمن الغابر رفع الكأس العالمية عاليا وهو في الـ17 من عمره، يأتي بعد ذلك مبابي الذي ولد من يومه “عظيما”.

بالأمس القريب تصدرت صورة مبابي غلاف مجلة “التايم” الأميركية لتكون على واجهة غلافها، لقد اختارته لكونه رائد “الجيل الجديد” وأحد أبرز وأشهر نجوم كرة القدم في الوقت الحاضر.

مبابي أجرى حوارا مطولا مع هذه المجلة، ولعل أبرز ما جاء فيه قوله “أنا أعمل بنصيحة قدمتها لي والدتي، وهي أنه إذا ما أردت أن تكون لاعبا عظيما عليك أولا أن تكون رجلا عظيما”.

وقال أيضا إن التواضع والاحترام والوضوح هي معايير وسرّ شهرته، ولعل هذه الوصفة جعلته اليوم يصنف ضمن أقوى اللاعبين وأوفرهم حظا كي يسحب البساط من تحت أقدام الجميع. فمبابي يتمتع بأسبقية السن. وهو اليوم أصغر بحوالي عشر سنوات من ميسي وأكثر من عشرة أعوام من رونالدو. هو اليوم مشروع “ماكينة أهداف” لا تهدأ ولا تصدأ.

هو أكثرهم تقاربا في مسيرته مع بيليه، فالحاضر الذي استذكر التاريخ قد يمتد لسنوات طويلة، سنوات سيسطع خلالها نجم مبابي أكثر وأكثر وقد يتوج خلالها بألقاب عديدة.

مبابي الذي ولد ليكون نجما أسطوريا وتاريخيا، خطف كل الأضواء وحطم كل الأرقام القياسية. فهو اللاعب الأصغر سنا على مرّ التاريخ الذي ينتقل من فريق إلى آخر بصفقة ناهزت 180 مليون يورو. ربما هذا الأمر يبدو من الأسباب التي تؤكد أن النجم الفرنسي الأسمر لم يكتف باستذكار التاريخ، بل هو بصدد صياغة الحاضر وكتابة المستقبل.

23