دع عنك لومي

الأحد 2016/05/22

في الزمن الغابر، وفي عهد قوة الكلمة وسلطة الشعر قال ذات مرة شاعر العصر العباسي أبو نواس “دع عنك لومي فإن اللوم إغراء، وداوني بالتي كانت هي الداء”، لقد تغنّى بشرب الخمرة ومدى تأثيرها وسحرها وقوتها التي تجعله يتجاوز كل المحن والصدمات، بل والأكثر من ذلك بدا أبو نواس وكأنه يقول إن اللوم والعتاب لا يزيدانه إلا إصرارا وتعنتا ورغبة في القيام بهذا الأمر مرارا وتكرارا.

ربما هذا البيت الشعري الشهير والرهيب ينطبق تماما على لاعب منتخب الأوروغواي ونادي برشلونة الأسباني لويس سواريز الذي ألقى وراء ظهره كل اللوم والعتاب والنقد المعتدل أحيانا والمبالغ فيه أحيانا أخرى، وعاد مرة أخرى نجما متألقا ولاعبا فذا وهدافا قديرا قاد فريقه إلى الفوز بلقب الدوري الأسباني عن جدارة واستحقاق.

فمثلما أعلن أبو نواس بطريقته الخاصة وباللغة التي يتقنها والسحر الذي يبرع فيه بأن اللوم لا يزيده سوى تمرد وإصرار على القيام بما يريده، فإن سواريز أبى بدوره أن يرد على الجميع بطريقة مماثلة، لكن باللغة التي يفهمها والفن الذي يتقنه وهي لغة الأهداف الغريزة والتألق في ملاعب كرة القدم.

سواريز افتك، وأغلب متابعي الدوري الأسباني يؤكدون تلك النجومية، هذا الموسم من تحت أقدام زميليه الأرجنتيني ميسي والبرازيلي نيمار، فسجل أربعين هدفا بالتمام والكمال في 38 مباراة ليسبق الجميع وينصّب نفسه ملك الهدافين، ليس في الدوري الأسباني فقط، بل في مختلف الدوريات الأوروبية الكبرى.

سواريز بدا وكأنه يريد في ثاني موسم له مع برشلونة أن يقول للجميع “أصمتوا” وكفّوا عن تشويه صورتي ولا تلوموني عمّا اقترفته في السابق، لقد ظهر وكأنه “الشيطان الذي يعظ”، لكن دون أن تنبس شفتاه بأيّ كلمة، فردّه كان فوق الميدان بأهداف عديدة وحاسمة، والأكثر من ذلك بتأثيره القويّ على أداء الفريق في كل يوم غاب فيه ميسي ونيمار بسبب الإصابات وتراجع مستواهما.

هكذا كان ردّ سواريز الذي مرّ من النقيض إلى النقيض، فعانق الإبداع والنجاح بعد أن كان منبوذا من الجميع عندما قام بفعلته الشهيرة في مونديال سنة 2014، فتغيرت كنيته من “العضاض” إلى صائد الأهداف والبطولات مع برشلونة.

لقد عانى الهداف السابق لنادي ليفربول الإنكليزي لفترة تجاوزت أربعة أشهر بسبب ما اقترفت أسنانه ذات مباراة ضد المنتخب الإيطالي في كأس العالم، حيث عض منافسه المدافع الإيطالي كيليني، ليجني حصادا مريرا ويتم إيقافه عن اللعب لفترة طويلة، لكنه عاد أكثر قوة، عاد ليردّ على الجميع، ويؤكد أنه لا يوجد أيّ داع للومه مجددا.

سواريز أراد القول إن الدواء يكمن في تلك “اللعينة” التي زجت به في عالم الانتقادات أحيانا واللوم أحيانا أخرى، هذه “اللعينة”، هي كرة القدم بلا شك، ومثلما تسببت له في الخروج عن النص سابقا ووصف بالمهاجم “المتوحش” و”العضاض”، فإن كرة القدم نقلته من وضع إلى آخر وحوّلته من “شيطان” مكروه إلى ملاك محبوب من ملايين الأحباء لنادي برشلونة في مختلف أصقاع العالم.

لقد نجح مهاجم منتخب الأوروغواي صراحة في فسخ صورة المهاجم المشاغب الذي تشاجر مع العديد من المنافسين في السابق، سواء في تجربته الأوروبية الأولى مع نادي أياكس أمستردام الهولندي أو ليفربول، أو مع منتخب بلاده، وبات الآن حاملا ثوب البطل والهداف البارع.

والأكثر من ذلك، فسواريز كان رده قويا وسريعا للغاية، ليس خلال موسمه الثاني فحسب، بل منذ موسمه الأول، فمبجرد انتهاء العقوبة المسلطة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ترك بصمته واضحة جلية مع فريقه البرشلوني وسجل عدة أهداف وساهم في صنع عددا أكبر، لينهي موسمه الأول في أسبانيا بشكل رائع بعد التتويج بثلاثية الدوري والكأس ثم دوري أبطال أوروبا.

اليوم وعلى رأي شاعر العهد العباسي أبو نواس الذي أكد أن الداء يحمل في باطنه الدواء، فإن سواريز داوى كل جراحه القديمة، فبسبب كرة القدم بكى كثيرا في السابق وحصلت له مشاكل عدة وتعرض لعقوبات قاسية، وبفضل كرة القدم أيضا عانق الإبداع وبلغ مدى نجاحه عنان السماء.

اليوم أيضا سيتعيّن على سواريز أن يحرق بقايا صور رمادية تركها في آخر بطولة قوية شارك فيها مع منتخب بلاده، فبعد أيام قليلة سيخوض غمار “كوبا أميركا” ليقود منتخب بلاده مجددا في رهان قوي.

سواريز الذي توج منذ سنوات قليلة باللقب القاري سيعمل بلا شك على أن ينهي اللوم نهائيا على الصعيد الدولي، وبلا شك أيضا، فمثلما تجاوز الامتحان بروعة مع برشلونة، فإنه سيكون في هذه البطولة المنتظرة قادرا على البروز مجددا وطمس تلك الحقيقة السابقة المتعلقة بكونه “غشاشا وعضاضا”، أما في صورة الإخفاق والسقوط في فخ الطيش ثانية، فعلى سواريز ألاّ يلوم سوى نفسه، إذ لن يكيفه شعر أبو نواس كي يبرّئ نفسه من جديد.

كاتب صحافي تونسي

23