دع غرفة الأخبار تتنفس

الاثنين 2016/08/08

هذه معادلة حسابية بسيطة: إذا كان بإمكانك أن تربح واحدا كاملا، واخترت أن تربح الثلث فقط، فالبديهي أنك لم تربح ثلثا، بل خسرت الثلثين. الخسارة الحقيقية هي الفرص التي تهدرها رغم قدرتك على اقتناصها.

وتنطبق هذه المعادلة على إدارات المؤسسات الصحافية، التي اختارت أن تجمد نفسها في الماضي، وتنتج صحيفة ورقية فقط.

يقول الناشر التقليدي إنه يربح من توزيع صحيفته الورقية، وهذا صحيح بمنطق من يكتفي بعصفور في اليد، لكنه لا يرى قدرته على اقتناص بقية العصافير على الشجرة، ولا يثق في ذلك. والنتيجة أن الزمن سيمر، ويكبر العصفور الذي في اليد، ويتعلم الطيران، ويطير، فلا يبقى عصفور في يده، ولا تبقى عصافير على الشجرة.

يبيع الناشر التقليدي محتوى صحافيا مرة واحدة، في حين أنه بإمكانه أن يبيع المحتوى نفسه أكثر من مرة بأكثر من شكل، وبأكثر من أسلوب، ولا يحتاج هذا الأمر منه إلا أن يقرر القفز إلى المستقبل، والاستثمار فيه. وكل تأخير في اتخاذ هذه الخطوة، التي تبدو جريئة بالنسبة إلى ناشر تقليدي، يجعل المستقبل ماضيا، ويرفع كلفة التغيير عندما يبدأ.

ليس أمام الصحافة إلا أن تنسف غرف الأخبار القديمة ذات الجدران التي تحجب فريق العمل عن بعضه البعض، وتخفي رئيس التحرير في مكتبه، وتطفئ أنوارها في السادسة مساء لتغلق الأبواب حتى صباح اليوم التالي. ليس هناك بديل إلا تحويل غرفة الأخبار التقليدية هذه إلى غرفة أخبار مدمجة، تخاطب المتلقين بكل الوسائط التي يستخدمونها، ليصل إليهم المحتوى الصحافي أينما كانوا، ووقتما أرادوا.

“لماذا؟”، يتساءل الناشر التقليدي. والإجابة بسيطة: لأن جمهورك يريد ذلك.

يتساءل مجددا “لماذا؟”، والإجابة أكثر بساطة: لأن سلوك الجمهور تجاه استهلاك الأخبار تغير، ولأنه سيذهب إلى ناشر يتفهم التغير في هذا السلوك، ويستجيب له. جمهورك يريد أن يعرف الخبر الآن، وفورا، ويفضل لو تابعه على الهواء مباشرة.

جمهورك لن ينتظر الذهاب إلى بائع الصحف ليعرف ما حدث بالأمس، ولن ينتظر العودة إلى البيت ليفتح الكمبيوتر أو التلفزيون ويتابع الأحداث، لكنه يفضلها طازجة على الموبايل: لماذا اشترى هاتفا ذكيا إذن؟ يريد الجمهور الجديد خدمة صحافية على مدار الساعة، لمدة سبعة أيام في الأسبوع، فهو لن يرضى أبدا بالانتظار.

بالعدد نفسه من المحررين، الذين ينتجون صحيفة ورقية، أو ربما بأقل، يستطيع الناشر الحديث في غرفة الأخبار المدمجة، أن ينتج محتوى صحافيا لموقع إلكتروني، ولإذاعة إلكترونية أو تقليدية، ولمحطة تلفزيون، ولتطبيق على الموبايل يوفر كل هذه الخدمات، إضافة إلى إنتاج صحيفة ورقية تقدم خدمة أبعد وأكثر عمقا من الخدمة الخبرية. ومن خلال هذه الخدمات يمكن للمؤسسة أن تضاعف إيراداتها ثلاث أو أربع مرات بتكلفة إنتاج واحدة.

سيكون على الناشر الحديث أن يستثمر في الموارد البشرية التي تمتلكها مؤسسته، بزيادة أجورها زيادة عادلة، وبتطوير مهاراتها من خلال التدريب المتواصل، كما أن عليه أن يستثمر في غرفة أخبار جديدة توافق المفاهيم والمهام الجديدة للمؤسسة، وتخدم دورة العمل الجديدة التي تقوم، لا على السرعة فقط في نقل الحدث، بل على الدقة التي تعزز مصداقية المؤسسة وقوتها في سوق شديدة التنافسية.

اخرج من مكتبك، عزيزي رئيس التحرير الحديث، واجلس بين جنودك. اجعل غرفة الأخبار مفتوحة تماما. اهدم الجدران لتتدفق المعرفة، ودع غرفة الأخبار تتنفس.

كاتب مصري
18