دفء القطب الشمالي يعاقب نصف الكرة الأرضية بالبرد والأعاصير

تغير واسع في النظام البيئي بطرق متوقعة وغير متوقعة، وارتفاع درجة حرارة المحيط المتجمد الشمالي ينذر بتكاثر الطحالب السامة المهددة للحيوانات.
الخميس 2018/12/13
تعري القطب يضع حياة البشر والحيوان في الميزان

لم يعد الصيف صيفا ولا الشتاء شتاء بسبب ما تشهده المنطقة القطبية الشمالية من مستوى قياسي من الحرارة، ما سيؤدي إلى تغير واسع في النظام البيئي بطرق جنونية، ورغم ذلك مازالت الانقسامات قائمة والخلافات السياسية على أشدها في لقاءات الأسبوع الثاني من مؤتمر الأمم المتحدة بشأن المناخ (كوب 24) في بولندا.

واشنطن – أظهر تقرير علمي أميركي الثلاثاء أن الاحترار يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي بسرعة قياسية، ما يتسبب بتغيرات بيئية في العالم تشمل عواصف قصوى وبردا قارسا في الولايات المتحدة وأوروبا.

وحسب ما جاء في تقرير “اركتيك ريبورت كارد” للعام 2018 الذي أصدرته الوكالة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (نوا)، سجلت في القطب الشمالي درجات حرارة قياسية عالية في السنوات الخمس الأخيرة.

ويؤثر ارتفاع الحرارة في الشمال على ميول الطقس الاعتيادية، وهو أمر يتزامن مع عواصف شتوية كبيرة في شرق الولايات المتحدة وموجات صقيع في أوروبا في شهر مارس. وحذر التقرير من أن “استمرار ارتفاع درجات الحرارة في غلاف القطب الشمالي الجوي ومحيطه سيؤدي إلى تغير واسع في النظام البيئي بطرق متوقعة وغير متوقعة”.

وأضاف “تتشكل تهديدات جديدة وسريعة، وتبرز مستوى الغموض حول نطاق التغير المناخي المرتقب”.

وقالت إيميلي أوزبورن مديرة برنامج أبحاث القطب الشمالي في وكالة نوا لصحافيين، إن هذه المنطقة “تشهد مرحلة انتقالية لا مثيل لها في تاريخ البشرية”.

المناخ

وعرض التقرير خلال المؤتمر السنوي للاتحاد الأميركي للجيوفيزياء المنعقد في واشنطن بعد أسابيع قليلة على تقرير مناخي آخر أعده علماء وشكك به الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وأكد التقرير أن حرارة الجو في القطب الشمالي في السنوات الخمس الأخيرة بين 2014 و2018 “تجاوزت كل المستويات القياسية المسجلة منذ العام 1900” مع بدء التدوين في سجلات المناخ.

وقد شارك في جمع بيانات هذا التقرير 81 عالما يعملون لحساب حكومات وجامعات في 12 بلدا وقد راجعه علماء آخرون.

وأشار إلى أن الميل إلى الاحترار هذا “لا سابق له في السجلات”.

وخلال الفترة الأخيرة التي شملها التقرير، أي بين أكتوبر 2017  وسبتمبر 2018، كان متوسط الحرارة السنوية في القطب الشمالي 1.7 درجة مئوية أعلى من متوسطها في المرحلة بين 1981 و2010.

وأوضح أن “العام 2018 كان ثاني أكثر السنوات دفئا في القطب الشمالي (بعد 2016) منذ 1900”.

وسجل القطب الشمالي أيضا ثاني أدنى غطاء جليدي، فضلا عن أدنى جليد شتوي في بحر بيرينغ.

والعناصر الأساسية في قياس الغطاء الجليدي هي عمر هذا الجليد. وتبين أن الطبقة القديمة والسميكة تختفي أيضا في القطب الشمالي، فخلال العام الماضي شكل الجليد القديم أقل من 1 بالمئة من الغطاء الجليدي.

وفي السنوات الثلاث والثلاثين الأخيرة تراجع الغطاء الجليدي القديم في القطب الشمالي بنسبة 95 بالمئة.

Thumbnail

جت ستريم وموجات الصقيع 

تستمر درجات الحرارة بالارتفاع في القطب الشمالي أسرع بمرتين من بقية أرجاء العالم ولم يعد تأثيرها معزولا بل بات ينعكس على الارتفاعات المتوسطة.

ووفق ما أكدت وكالة نوا، فارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي يخفف من الفروقات في الحرارة بين الشمال والجنوب، ما يوفر قوة دفع أساسية لتيار “جت ستريم” القطبي مع رياح قوية عند المستويات التي تطير عندها الطائرات.

وجت ستريم القطبي أو التيار النفاث القطبي، من أكثر ظواهر الدورة الجوية العليا أهمية، وهو عبارة عن رياح غربية تتكون في منطقة التقاء الرياح العلوية من دورة فيرل مع الرياح في الدورة القطبية وتصل سرعته إلى 500 كم/ساعة وفي فصل الصيف يكون عند خط عرض 55 درجة وفي الشتاء عند خط عرض 35 درجة.

ويؤدي التيار النفاث القطبي إلى نزول كتل الهواء البارد وارتفاع الهواء الساخن. وتسجل عندها ظواهر مناخية قصوى متكررة مثل موجات الحر في غرب الولايات المتحدة وعواصف الثلج الاستثنائية على ساحلها الشرقي.

وليست الولايات المتحدة وحدها من يعاني من الهبوط الدوري في درجة حرارة الشتاء، ففي الواقع يكون هذا التأثير أشد على آسيا وأوروبا.

تحذيرات العلماء خارج حسابات قادة الدول
تحذيرات العلماء خارج حسابات قادة الدول

وفي عام 2012 تجمد الكثير من الروس في أبرد فصل شتاء منذ أكثر من سبعين عاما، حيث انخفضت درجة الحرارة إلى خمسين درجة مئوية تحت الصفر.

وفي شتاء 2016 غمرت العاصمة السويدية ستوكهولم حوالي 40 سنتمترا من الثلوج، لقد كانت أكبر كمية ثلوج تتساقط خلال شهر نوفمبر خلال 111 عاما.

وذكر التقرير الذي أصدرته الوكالة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (نوا)، أن درجات حرارة هواء السطح في القطب الشمالي تتزايد بمعدل ضعف مثيلاتها في العالم، وأنها تجاوزت جميع الأرقام القياسية منذ عام 1900 في السنوات الخمس الماضية.

ويؤدي ارتفاع حرارة القطب الشمالي أيضا إلى اضطرابات في نظامه البيئي مع تراجع كبير في أعداد حيوانات الرنة والأيائل، ولفت التقرير إلى انخفاض عدد “غزلان الرنة” القطبية في المنطقة بنسبة 56 بالمئة خلال العشرين عاما الماضية، ليتقلص عددها من 4.7 مليون إلى 2.1 مليون.

ومع أن ذوبان الجليد سمح بتوفير مراع أوسع، فإن قطعان حيوانات الرنة والأيائل في القطب الشمالي تراجعت بنسبة 56 بالمئة خلال العقدين الأخيرين لينخفض عددها من4.7 ملايين حيوان إلى 2.1 مليون.

ويتساءل العلماء كيف يمكن للرنة والأيائل أن تتأقلم مع التغير المناخي، فلقد سبق لهذه الحيوانات أن واجهت تغيرين مناخيين.

وقال هاورد ابشتين أستاذ العلوم البيئية في جامعة فيرجينيا إن “الاحترار المتواصل يبدو أنه يؤثر على البعض من أبرز حيوانات القطب الشمالي”.

ويقول الخبراء إنه من المتوقع تناقص أعداد الدب القطبي بنسبة تتجاوز 30 بالمئة في منتصف القرن الحالي، حيث ستؤدي ظاهرة الاحتباس الحراري إلى ذوبان جليد القطبين الشمالي والجنوبي.

ومن بين التحديات التي يواجهها الدب القطبي عمليات التنقيب عن النفط والغاز واصطياده على أيدي السكان الأصليين وهي عوامل تصبح ذات أثر ضئيل إذا ما قورنت بفقدان الغطاء الجليدي.

وازدهرت أعداد الدب القطبي في بعض المناطق خلال السنوات الأخيرة بسبب الحماية الملائمة وحظر صيده، لكن التقديرات الخاصة بأعداده الإجمالية خلال العقود السابقة يكتنفها الغموض. ووجدت الدراسات أن الشجيرات المنخفضة والأعشاب وغيرها من النباتات في القطب الشمالي يتزايد طولها بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

وتؤثر سمات النباتات بشدة على تدوير الكربون وتوازن الطاقة في النظام البيئي، مما قد يؤثر بدوره على المناخ الإقليمي والعالمي. وتشير الدراسات إلى “أن الفهم الأفضل لكيفية تشكيل العوامل البيئية لهيكل ووظيفة النباتات أمر حيوي للتنبؤ بعواقب التغير البيئي في وظائف النظام البيئي”.

وتعد التندرا منطقة شاسعة وشبه قاحلة تقع في القطب الشمالي من أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية حيث تكون التربة التحتية مجمدة بشكل دائم، أو على الأقل، اعتادت أن تكون كذلك، لكنها آخذة في الاحترار بسرعة أكبر من أي منطقة حيوية أخرى على الأرض.

ويعزو العلماء هذا التراجع إلى الوتيرة المتزايدة للجفاف الذي يؤثر على سهول التندرا وإلى مواسم صيف أطول وأكثر دفئا ما يمسح بتكاثر الطفيليات، كما تتعرض الطيور والحياة البحرية للخطر من زيادة جزئيات البلاستيك الصغيرة في المحيطات.

التلوث يصل القطبالمناخ

ارتفاع درجة حرارة المحيط المتجمد الشمالي يعني أن تكاثر الطحالب السامة ينتشر، وهو ما تقول (نوا) إنه يهدد مصادر الغذاء للعديد من الحيوانات.

وأوضح تقرير (نوا) “رصد تركز كبير لسموم الطحالب في أنسجة رخويات وفقمة وأحصنة بحر وحيتان وكائنات بحرية أخرى”.

وركز التقرير أيضا على التهديد الذي تطرحه المواد البلاستيكية الصغيرة جدا في البحر، التي تبين للعلماء أنها تتكدس بتركز أكبر في القطب الشمالي مقارنة بسائر مناطق العالم.

وقد تم اكتشاف 15 طنا من النفايات البلاستيكية خلال حملة تنظيف تم جمعها قبالة ساحل المحيط المتجمد الشمالي الروسي في يوم واحد خلال السنة الماضية.

وقد تمت عملية التنظيف التي قام بها 500 فرد من السكان المحليين والمتطوعين والأمم المتحدة للبيئة في المياه المحيطة بمدينة مورمانسك، وهي أكبر مدينة مأهولة داخل الدائرة القطبية الشمالية ويبلغ تعداد سكانها 300 ألف نسمة.

 واكتشف هذا التلوث المذهل على طول ساحل مورمانسك في شمال شرق روسيا، الذي كان يعتبر في السابق واحدا من أروع مساحات المياه في العالم. وأنشئت منظمة جديدة هي مؤسسة سلافا لقيادة جهد دولي جديد للتوعية بأثر التلوث الذي يسببه الإنسان في القطب الشمالي الروسي.

وقالت كارين فري أستاذة الجغرافيا في جامعة كلارك “هذا التلوث بالبلاستيك المنتج والمرمي في مناطق مأهولة من العالم يصل إلى القطب الشمالي على الأرجح مع تيارات المحيط”.

ووجدت الدراسات أيضا أن زيادة ذوبان الجليد أدت إلى ارتفاع تدفق التلوث البلاستيكي إلى المناطق التي لم يمسها البشر من قبل في محيطات العالم.

وإذا استمرت درجة حرارة الأرض في الارتفاع بمعدلها الحالي، فيمكن أن يكون القطب الشمالي خاليا تماما من الجليد بحلول عام 2100.

وبينت أن التلوث في مناطق القطب الشمالي الروسي يقترب بسرعة من المستويات التي سجلت في المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، والتي هي موطن لطرق الشحن.

وقد أبلغت دول ذات خطوط ساحلية على المحيط المتجمد الشمالي، مثل روسيا والنرويج وفنلندا والولايات المتحدة، عن وقوع حوادث تلوث في المناطق المعزولة.

ومازالت المنطقة تفتقر إلى منظمة متخصصة تقود جهدا عالميا لمكافحة تأثير التلوث في هذه المياه. وتهدف مؤسسة سلافا لملء هذا الفراغ الحرج. وزاد التلوث بجزئيات البلاستيك في العقد الأخير التي باتت تشكل مصدر قلق، لأن الطيور والكائنات البحرية يمكن أن تتناول هذه القطع البلاستيكية ما يؤدي إلى مرضها ونفوقها.

20