"دفاتر العشاق" أحلام شعب تخط على جدران سراقب السورية

الثلاثاء 2015/02/03
فيلم موجه إلى السوريين في الداخل يخاطبهم ويحكي عنهم

في إطار المهرجان الدولي للفيلم بروتردام الذي انعقد بين 21 يناير الماضي والأول من فبراير الجاري، تمّ للمرة الثالثة على امتداد أيام المهرجان عرض الفيلم الوثائقي السوري ”دفاتر العشاق”.

“دفاتر العشاق” فيلم متوسط الطول (55 دقيقة) من تصوير وإخراج السوري إياد الجرود، وبإشراف وإنتاج المخرجة الكندية السورية علياء خاشوق، وبتعاون فني مع الكاتب والمخرج السوري علي سفر.

ما يوحي به العنوان بعيد عن التهيّؤ الأول ويتطلب من المشاهد متابعة توصله إلى إدراك مغزى اختياره.

من مدينة سراقب السورية التي خرجت عن سلطة النظام السوري، ثم عن سلطة ”تنظيم الدولة” في مرحلة متأخرة، تطل الثورة السورية بتحولاتها على مدى ثلاث سنوات من 2011 إلى منتصف 2014، من خلال جدرانها التي أصبحت دفاتر مفتوحة لاستقبال الكلمات.

ألم وأمل

”مو حزن لكن حزين”، ”غدا تشرق الشمس وأنا أحب الصباح كثيرا”، ”ياسمين على ليل تموز”، ”كالريح نحن لا يجرحنا سيفك”، ”البوط العسكري واحد”، ”حرية وينك، الإرهاب بيني وبينك”، ”نحن طائر الفينيق”، عبارات كثيرة تتجدد وتتبدل على الجدران لتعلم المشاهد النظر إليها بطريقة أعمق، تدله على حقائق تكاد تغيب إعلاميا حاليا مع ازدياد وتيرة العنف وترويعه.

المفردات التي يحرص رائد رزوق ورفاقه على كتابتها على جدران سراقب ليلا، بعيدة تماما عن العشوائية والفوضى؛ إنها تجتمع لتأدية أدوار، لكل منها علاقة وثيقة بالإنسان وحالاته في الثورة.

إنها تصله بغيره، ترفع صوته ليخرج من ظلام الليل إلى صرخة الصباح، تعبّر عن بوحه وتضامنه ومشاعره المختلطة الأخرى، وتضمّ القلوب المتألمة والآملة في بعضها البعض.

المخرج يقدم صورة حقيقية ومنصفة لسوريا المتألمة الحاملة على جدرانها وبأيدي أبنائها "عندي حلم"

عندما يقول رائد رزوق: ”أديت واجبي وكأني مفجر لثلاثين دبابة”، فإنه يكشف عن ذلك الوزن الذي تحمله الكلمة، والذي قد يجعلها تثقل الصدر أو تفعل العكس بتحريرها وخروجها للعلن، وهو في الوقت ذاته يلمس جوهر الحاجة إلى حرية التعبير وعذاب ضغط الكلمة وقبرها.

هؤلاء الذين يكتبون على الجدران الساهرون كالعشاق ليلا، يدونون مشاعرهم ورسائلهم التي تكمّل جزءا من مشاهد الثورة السورية التي تطالها التحوّلات، حيث يظهر منها في الفيلم دخول شعارات ذات طابع ديني على الجــدران والأعـلام وحتى في المظاهرات. لكنهم أوفياء لممارستهم وإن عرفوا طعم الفجيعة وفقدانهم للرفاق؛ يكتبون بحب وقناعة غير مدفوعين أو مأجورين.

المخرج إياد الجرود، الذي يرى أن الثورة في سراقب خلقت علاقات إنسانية جديدة تجاوزت العلاقات الاجتماعية المبنية على أسس طبقية، استطاع أن يبرز من خلال ”دفاتر العشاق” تلك العلاقة الإنسانية التي يقصدها، والتي تجعل الإنسان يرى البطولة والشجاعة في غيره ممن عايشوا، أو يعايشون معه نفس الظروف القاسية.

قناعات متعددة

لقد نجح في نقل صورة سليمة عن الثورة السورية من خلال نموذج سراقب الذي ظهر فيه التنوع الفكري والميول السياسي، شاهدا على تعدّد ألوان التفكير والقناعات. عن ظهور النساء القليل نسبيا في الفيلم يقول المخرج، إنه لم يرغب في اصطناع أو اختلاق واقع آخر، فدور المرأة في سراقب منذ بداية الثورة، يوازي دور الرجل ويعادله في المعاناة، لكنها في الشريط ليست بنفس مستوى الظهور نظرا إلى طبيعة المجتمع وكذلك طبيعة الطرح الذي تناوله.

في النهاية يمكن الإشادة بالمجهود الذي بذله من حرصوا على إخراج ”دفاتر العشاق” إلى العالم، والإشارة إلى أن المخرج إياد الجرود الذي تحمّل تفتيشا متكررا لدرجة المضايقة، خضع له مع كل ما حمله كقادم من سوريا في المطارين التركي والهولندي، استطاع أن يقدّم صورة حقيقية ومنصفة لسوريا المتألمة والحاملة على جـــدرانها وبأيــدي أبنائها: ”عندي حلم” و”بُكرى أحلى”.

16