دفاعا عن الحدث

الاثنين 2014/10/13

أولى البداهات أنّ الوعي لا يكون بعيدا عن الأحداث مجرّدا عن هذا الذي يحدث هنا والآن، إنما الوعي هو القدرة على التّموقع في الزّمان والمكان. ومن وجهة نظر الطب العصبي فإنّ فقدان الوعي يبدأ بتدهور تلك القدرة. وإذا كان وجود الزّمان ووجود المكان يقتضيان وجود أحداث تحدد أبعاد المكان وتحرك صيرورة الزمان، فإنّ الوعي يصبح في الأخير بمثابة القدرة على التموضع ضمن نسق الأحداث.

إذا كنتُ عاجزا عن تذكّر الوجبة التي تناولتُها قبل قليل، أو تحديد الوجهة التي كنتُ أقصدها في السير، سأكون وقتها فاقدا للوعي أو لإحدى أهم وظائف الوعي، القدرة على التموقع في الزّمان والمكان، والإمساك باللحظة الرّاهنة، هنا الآن. تلك القدرة هي شرط المعرفة والإبداع، فإنّ حدس الزمان هو الذي يمنحنا القدرة على التعامل مع الجبر وحدس المكان هو الذي يمنحنا القدرة على التعامل مع الهندسة، حدس الزّمان هو الذي يمنحنا القدرة على التعامل مع التاريخ وحدس المكان هو الذي يمنحنا القدرة على التعامل مع الجغرافية، حدس الزّمان هو الذي يمنحنا القدرة على التعامل مع الموسيقى وحدس المكان هو الذي يمنحنا القدرة على التعامل مع الفنون التشكيلية، إلخ.

لكن، لا تكون الأحداث دائما على نفس الإيقاع، بل قد يتباطأ الإيقاع وقد يتسارع أحيانا أخرى وقد يتكاثف. والأمر أقرب ما يكون إلى عالم الموسيقى. في الواقع، حين يتباطأ إيقاع الأحداث فإنّ إمكانية التموقع تكون أيسر، وحين يتسارع إيقاع الأحداث تصبح إمكانية التموقع في غاية الصعوبة. وكما الحال في الموسيقى فقد يرتفع الإيقاع ويتسارع ويتكاثف إلى درجة فقدان الوعي. وربما هذا ما نعانيه في هذه الأثناء جراء تسارع وتيرة الأحداث بنحو تختلط فيه أوراق، وتحترق أوراق، وتتساقط أوراق. هناك في الحقيقة مشكلتان :

المشكلة الأولى، أننا لا ندرك في واقع الحال الحدث ذاته، لأنّ الحدث ما أن يحدث حتى يمضي وينقضي، ولا يبقى من أثر له غير الخبر. في حين أنّ الخبر ليس الحدث، الخبر مجرد أثر للحدث. ورغم ذلك، يبقى الخبر بمثابة الشاهد الوحيد على حدوث الحدث، هذا العصي دوما عن الإدراك. لكي يصبح الحدث قابلا للإدراك لابد أن يتحول إلى خبر، أي إلى نص مقروء أو مسموع قد يُرفق أو لا يُرفق بالصور. الخبر يُخلّد الحدث، لكنه حين يخلده ويبقيه فإنه يقتله كحدث. الخبر ليس مجرد نقل أمين للحدث، إنه تحوير له. وهذا التحوير ليس مجرد مخطط تآمري ينمّ عن سوء نية مبيتة، لكنه واقع بفعل منطق الأشياء. إنّه شرّ لابد منه.

إنّ الحدث الذي يزول بعد حدوثه يدوم بفعل الجملة الخبرية. الخبر لغة، واللغة مشحونة بالمواقف والخلفيات، بل حتى الصور نفسها تخضع لزاوية مكان التصوير، وهنا أيضا ثمة هامش للصدفة، لكن ثمة هامشا أكبر للمزاج والحساسية والخلفية والوسائل وشبكات العلاقات المعقدة بدورها، دون احتساب تلك المؤثرات التي يمكن التحكم فيها مثل الإخراج والإلقاء وانتقاء الصور والمونتاج والمؤثرات الصوتية. وفي كل الأحوال، حين نحوّل الحدث إلى خبر فإننا ننزاح عن براءة الحدث الأصلي، ذلك الحدث الذي ما أن يحدث حتى يمضي وينقضي. الحدث هو دائما في حالة امّحاء، يولد ويموت في الحال، لا يمنحنا فرصة لإدراكه، لا يبقى منه غير أثر باهت اسمه الخبر. والسؤال، كيف يمكن للوعي أن يتموضع ضمن الأحداث إذا كان لا يدرك منها غير أخبارها والتي هي مجرد آثار للأحداث؟

المشكلة الثانية، هي أنّ الفضائيات الإعلامية حين تغطي الحدث فإنّها تغطيه بالمعنيين؛ التغطية بالمعنى الاصطلاحي/ الإعلامي كشف وغطاء، إظهار وإخفاء، تعرية وغشاء، وبالأحرى دعنا نتحدث عن صناعة الخبر. في هذه الصناعة ثمة إبداع مبهر، وهذا دور الإعلام، لكن الإعلام بقدر ما يقوم بدوره بكفاءة وإتقان فإنه يساهم في تنميط الأخبار وفق مفاهيم ومصطلحات وأيقونات وصور لا تتعدد وتتنوع إلا على محورين اثنين أو ثلاثة على أكبر تقدير: المعارضة مقابل الموالاة، الممانعة مقابل الاعتدال، الوسطية مقابل التطرّف، الشرق مقابل الغرب، السنّة مقابل الشيعة، القوى الإسلامية مقابل القوى المدنية أو الوطنية أو الليبرالية أو العلمانية إلخ. وهذا يطرح سؤالا كبيرا: طالما الوعي هو التموقع ضمن صيرورة الأحداث، أفلا يقودنا تنميط الأخبار إلى نوع من تنميط وعي الأفراد وفق شبكة قراءة جاهزة ناجزة؟

يحتاج تحرير الوعي إلى جهد نقدي متواصل، إلى تفكيك دائم، إلى إنصات نقدي للنص الخبري، إلى مساءلة للصورة، بعيدا عن سوء النوايا وإساءة الظن وإلقاء التهم جزافا، نحتاج إلى الذهاب إلى ما وراء الخبر، إلى ما وراء كل الأخبار، إلى ما وراء الصور والكلمات، نحتاج إلى التدقيق في تفاصيل التفاصيل، إلى التحديق في مناطق الظل والعتمة، إلى التأمل في الكلمات المنسية، والمبادرات الموؤودة، والجزئيات المهملة، والأصوات الخافتة، والعبارات الباهتة، وأن ننتقي بحدس مستقل ما يمكن أن يكون هو الحدث بألف ولام التعريف.

هناك مسلمّة أساسية، بصرف النظر عن فخ الإثارة الإعلامية على طريقة “خبر عاجل” ليس كل ما يحدث يرقى إلى مستوى الحدث. ليس كل ما يحدث يستحق اسم الحدث. لاسيما حين يكون الحدث بألف ولام التعريف. طبعا، في كل لحظة، في كل جزء من اللحظة، تحدث أشياء قد تكون لا متناهية العدد. هذا لا يصدق فقط على مفهوم الزمان في حقل الفيزياء المجهرية، وإنما يصدق أيضا على مفهوم الزمان في حقل التاريخ، إلاّ أن الوقائع التي ترقى إلى مستوى الحدث تبقى نادرة جدا. الحدث واقعة أو حادثة مفصلية لها ما بعدها، إنّها مثل المنعطف الحاسم في صيرورة الزمن. نعلم أيضا أن على رأس كل ساعة، بل كل دقيقة، تحدث متتالية لا متناهية من الحوادث الصغيرة واللامتناهية في الصغر والتي لا ترقى دائما إلى مستوى الحدث. وإذن ثمة عملية انتقاء معقدة. والملاحظ بهذا الصدد أنّ الإعلام، الذي هو شرّ لابدّ منه، قد ساهم إلى حد بعيد في تنميط عملية الانتقاء. هناك حرب بقاء بين الأحداث يكرسها الإعلام، وحين يتعلق الأمر بالخبر العاجل، فإن الانتقاء هنا قد لا يكون مسألة أخلاقية. وهنا أيضا ليس الإعلام مدانا بالضرورة، لأنه هو نفسه ضحية منطقه الداخلي: الفرجة، الإثارة، السبق الصحفي، آخر الأخبار، إلخ. علينا أن نفكر مع الإعلام وضدّ الإعلام في نفس الآن.

قد تخضع صناعة الخبر لهامش من التحكم بسبب الضرورة الفنية على الأقل، طالما أن الأمر يتعلق بمنتوج، غير أن الحدث يبقى منفلتا بحكم طبيعته، إنه لا يُصنع، إنه كما لو كان يحدث من تلقاء نفسه، إنه الحدث بفعل الضرورة القصوى. نعم، هناك حسابات، بمعنى رهانات، لكنها أبعد ما تكون عن القدرة على التحكم في مسار الأحداث.

في معركة كوباني الآن، لأوّل مرّة في التاريخ هناك مسلمون يقاتلون بشهامة ضدّ متشددين إسلاميين، هناك نساء مسلمات يقاتلن بشهامة ضدّ متشددين إسلاميين، بلا سند من أي إصلاح ديني لم يأت بعد، هذا هو مضمون الحدث. غير أن هذا الحدث يتميز بقدر كبير من الانفلات من كل الحسابات والرهانات. وبالجملة، لا أحد بوسعه الإجابة بثقة عن السؤال الذي يرعب البعض ويربك الكثيرين: ماذا بعد معركة كوباني؟

بصرف النظر عن الرهانات وما بقي منها، كل ما نعرفه الآن أنّ هناك حدثا مفصليّا له ما بعده، وأنّ كل الحسابات ستتغيّر، وأنّ لا أحد يتحكم في قواعد اللعبة. إننا وجها لوجه أمام صيرورة منفلتة. نحتاج إلى وعي محايث للحدث، نحتاج إلى الوعي. ومن يدري لعل هذا الألم هو بعض الثمن.


كاتب مغربي

8