دفاعا عن الشعر والشعراء

الأحد 2016/10/09
زحمة الشعراء هي ظاهرة اجتماعية وليست ثقافية خالصة

يضعنا مقال الكاتب حسونة المصباحي “أكاذيب الشعراء الجدد” المنشور في ثقافية “العرب” (3 أكتوبر الحالي، العدد 10413) في مواجهة ساخنة مع توصيف افتراضي عمومي للشعراء الجدد، وكأنّ هذا التوصيف هو العلّة التي ستصيب صاحبها بكل الأعراض التي تحدث عنها في مقاله.

لا يمكن لهؤلاء الشعراء أن يشبهوا “رامبو” بشيء، لا في لحظته التاريخية، ولا في نزقه، ولا في شعريته التي تختلط فيها الموهبة مع الإشاعة، مع المفارقة، مع الكثير من الأسرار التي اكتنفت حياته الغامضة، والتي حوّلته إلى تاجر سلاح، أو ربما تاجر للرقيق الأسود! وحتى (أكاذيب) رامبو كانت مجازية، ولها مرجعيات يعرفها من قرأ رامبو بعمق، فهو ضحية انهيار أحلامه الكومونية، وضحية شخصيته النزقة والمتمرّدة والباحثة عن معنى.

صفة العموم قد تجعل من الحكم قاسيا، وقصديا، لا سيما وأنّ عالم التقانات الحديثة وتكنولوجيات الاتصال قد وضعتنا أمام عوالم غير مُسيطر عليها للنشر والإشهار، إذ بات “الغثُّ” من الكلام الشعري موجودا في قرية ماكلوهان الصغيرة، وأن تقليبهُ وقراءته شأنٌ شخصي، المهم أنَّ فضاءات الإعلام تمارس لعبتها في البثِّ القسري، مقابل أنّ هناك الكثير من “الشعر الجدد” العرب يمارسون “لعبة الشعر” خارج هذه “الشقشقة” وكأنها هاجسهم الوجودي، يبحثون ويحلمون ويغامرون، وضمن شروطهم التاريخية التي فقدت الكثير من الألفة، إذ صارت حيواتهم خاضعة لمنافسات متوحشة، ومهددَة، وفي فضاءات حروبٍ تصبّ على الشعر قيراً أسود، وتخضع حرياتهم إلى رهاب الرقابة والحسبة، وربما هم المطرودون، الملاحقون، والمغتربون، فكيف للقصيدة أنْ تمارس اطمئنانها الشخصي والجمالي وسط هذا الضيق، عند عتبات لذة لا تشبه لذّات أنسي الحاج ولا سماء غيره من الشعراء المجايلين.

زحمة الشعراء هي ظاهرة اجتماعية وليست ثقافية خالصة، مثلما هي لصيقة بكل الأجيال والجماعات الشعرية، فحين نتحدث عن الشعراء الروّاد، فإننا نُسقِط من حسابنا الكثير من الأسماء الطارئة، والتي لم تَعْلَق بذاكرةِ أحد، وكذلك هو الحال مع التجارب الأخرى، إذ لم تبق في الذاكرة سوى أسماء محدودة، لها قدرة التأسيس والتجاوز، وحتى حديث الأكاذيب الشعرية يحتاج إلى فحص نقدي وثقافي، لأن مقابل هذه الأكاذيب يعني وجود مصاديق، وهو أمر ملتبس وغير واضح، فالشعر لا يعنى بالأكاذيب والمصاديق كثيرا.

استثناء الكاتب المصباحي لعدد قليل من الشعراء الجدد من سؤاله المُحرج يبدو لي وكأنه محاولة للتخلص من عبءٍ أخلاقي في النظر إلى المشهد الشعري العربي الجديد، والذي ينبغي النظر إليه بعيون أخرى

المواهب الشعرية هي من نراهن عليها، وهي من تجعلنا نقرأها، ونتلمّس من خلالها أفقا للقصيدة ولوجودها ولجدّتها، وبغير هذا فإنّ الغثَّ الشعري الذي يتساقط هنا أوهناك سيتقاطر كثيرا، لكنّه سيكون خارج السياق، وبعيدا عن أيّ مراجعة أو مقاربة نقدية.

الاتهام العمومي ليس دقيقا، وتسويق الكلام الواخز على ظاهرة جامعة يحتاج إلى ما يسنده نقديا، وهذا الأمر لا علاقة له بالمزاج الشعري، أو النقدي، لا سيما مع مثقّف كبير ومهم مثل حسونة المصباحي الذي تعلمتُ من كتاباته الكثير، إذ تبدو لي عبارات مثل (الخواء، الزيف، والبطلان) قاسية، وفيها الكثير من التسقيط الشعري، والغلوّ في النظر إلى تجارب غضّة تتسع وتضيق، ومن الصّعب جدا إخضاع هذه التجارب إلى معايرة نقدية وتاريخية صارمة مع تجارب أخرى لها ظروفها ومساراتها وأسئلتها وتحدياتها.

الأوهام الشعرية

قد تكون عبارة الأوهام أكثر دقة في توصيف العديد من الحمولات الشعرية لهؤلاء الشعراء الباحثين عن منابرَ لهم، وعن زهوٍ يتّسق مع نرجسياتهم الغضّة، ومع أحلامهم التي يبدو أنّ تضخّمها ظاهرة طبيعة في التوصيف العيادي القرين بأيّ مراهقة شعرية، والتي ستجد نفسها الناضجة عبر صراع السيرورة والوجود والإشباع.

وحتى الحديث عن قدرات هؤلاء الشعراء الجدد بالكشف عن إمكانياتهم الخاصة، وبوعيهم الذاتي كما يقول الأستاذ المصباحي يحتاج إلى قراءة أخرى، لأنّ الرثاثة الشعرية لا تشفع لها أيّ عملية تقويم نقدية، وأنّ ما يسمى بـ”الكذب النقدي” لا يعدو أن يكون جزءا من مشكليات الصحافة الثقافية العربية، والتي لها دور في التّرويج للعموميات الشعرية.

استثناء الكاتب المصباحي لعدد قليل من الشعراء الجدد من سؤاله المُحرج يبدو لي وكأنه محاولة للتخلص من عبءٍ أخلاقي في النظر إلى المشهد الشعري العربي الجديد، والذي ينبغي النظر إليه بعيون أخرى، وليس بعيون مَنْ ترسّخت لديه قناعات شعرية جمالية وتعبيرية وحتى أسلوبية معيّنة، فهم جيلُ منافٍ داخلية وخارجية، وتشوّهات قومية وأخلاقية، وجيل وجد نفسه إزاء حروب محوٍ كبيرة، حتى باتت منظومتهم المعرفية، ورؤيتهم للأشياء التي تحوطهم مسكونة بالمختلف والمغاير، وربّما فيها الكثير من السيولة الفاقدة للضبط وللتشكّل الواضح.

وبقدر ما حاول الكاتب المصباحي أن ينأى بمقاله عمّا سمّاه بـ”المعارك الدونكيشوتية البلهاء” بين جماعات كارهة أو مُريدة، فهو أثار أسئلة حادة الإيقاع بعض الشيء، لكنّها ضرورية أيضا، لا سيما أمام “المؤسسة النقدية العربية”، إذا جازت التسمية، فهذه المؤسسة انشغلت كثيرا بالمقاربات المنهجية والنظرية، وابتعدت كثيرا عن مسؤوليتها في قراءة التحولات الصادمة والفاجعة أحيانا في المشهد الشعري، والذي أباح لقصار المواهب من التسلّل إليه، ومزاحمة المواهب الجادة التي تحتاج إلى قراءة وتقويم، وإلى تبشير أيضا.

زحمة الشعراء هي ظاهرة اجتماعية وليست ثقافية خالصة، مثلما هي لصيقة بكل الأجيال والجماعات الشعرية، فحين نتحدث عن الشعراء الروّاد، فإننا نُسقِط من حسابنا الكثير من الأسماء الطارئة

الاطمئنانات المغشوشة

لا أظنّ أنّ ثقافتنا العربية تسمح بنشوء الاطمئنانات الثقافية، فالشعراء وغيرهم محاصرون بالكثير من الأوهام واللعنات، ولعل الشعراء الجدد هم الأكثر تضرّرا ممّا يجري، فثقافتنا العربية أبوية بامتياز، ولا تسمح للأولاد بإعادة استعمال السرير الزوجي بسهولة وبشرعية مباحة الصلاحيات، وهو ما يجعل “الكارزمات” الكبرى و”الأيقونات” الكبرى في مشهدنا الشعري تمارس سلطتها حتى وهي في شيخوختها، وهذا ما يجعل الحديث عن رعب ذوقي أو جمالي من الأولاد الشعراء أمرا مفارقا وغريبا، وأنّ حديث الديمقراطية والحداثية سيظل شبيها بـ”الثرد خارج الماعون” مع وجود تلك الأبويات والمهيمنات المركزية المرعبة بدءا من هيمنة السلطة والجنرال، وانتهاء بمهيمنة الفقيه الشاعر والناقد والواعظ.

هؤلاء الشعراء هم أولاد المستقبل، وهم أبطاله أو ضحاياه، وأنّ بحثهم أو مغامرتهم في البحث عن الحياة أو القصيدة قد تكون محفوفة بالمخاطر، لكنها أيضا مسكونة بالأحلام والأوهام أيضا، وهذا ما يجعل لعبة الشعر تبدو وكأنها رهان على صناعة ما يليق بها، أو ما يجعل بعضهم خارج السياق، وداخل اللغو والهذيان، وهو كثير في حياتنا الشعرية والسردية والإعلانية وحتى السياسية.

وهم الثورة الشعرية

لا أظنّ أنّ زمننا الشعري صالح لتداول مفهوم “الثورة التجديدية”، لأنّ الثوّار اليوم لهم أوهامهم الفائقة، ولهم مناطقهم الأكثر هشاشة، ولهم خطابهم الصانع للعقد اللاواعية طائفيا ودينيا وجماعاتيا، وحتى الثوار الشعراء فقدوا أهلية هذه اللعبة “النزقة”، ولم يعد من يقبل بمفهوم هذه الثورة الشاملة التي تقبل بالسطو على التاريخ والنص، لأن هناك من يصنع لهم وعيا ضديا له نصوصه، أو تاريخاته التي تخص الفرق الناجية، ولا تخصّ الشعريات الناجية.

أسماء كبيرة مثل السياب ونازك والبياتي وأدونيس أصبحوا الآن من حصة المتحف والذاكرة، ليس لأنهم جزء من تاريخ الرومانسيات الثورية، أو الضرورات الدافعة للتغيير، بل لأن المزاج الشعري الجديد بات أكثر حاجة إلى أساطير جديدة تشبه أساطير رولان بارت، وإلى سرديات وشعريات جديدة خارج لعبة السرير والمسطرة.. وإلى مضامين تُعنى باليومي والهامشي، ولا يخصّها الوجودي والكوني، والمضامين الفائقة، وحتى الحديث عن المعرفة الدقيقة بالتراث كما يقول المصباحي لم يعد عنوانا للبراءة، أو تبريرا لعجز الشعراء الجدد وخوائهم وعطالتهم.

شاعر وناقد من العراق

12