دفاعا عن الكافرين

لن توفر الشعارات والطائفية والقسمة الغرائزية للناس حاجاتهم الاقتصادية، ولن تفتح لأطفالهم مدارس وجامعات ولا خدمات صحية ولا محارق للزبالة ولا مدافن للموت، فضلا عن المستقبل المجهول.
الجمعة 2019/11/01
كفروا، وقرروا أن يغطوا كل تلك الظواهر وإلى الأبد بغطاء سميك يبنون عليه مستقبلهم

 لا يتعجل البعض في قراءة الكلمات كما جرت عادة من مرت معهم كلمة “الكفر” طويلا ولم يمعنوا النظر فيها، حتى اتخذت لها معنى مغايرا عن معناها الأصلي. الفعل كفر معناه غطى شيئا مطمورا. ومنه جاءت الفلاحة وهي تقليب التراب المطمور، ليطلقوا بعد ذلك على القرى لفظ كفر قبل اسمها الحقيقي، للدلالة على أنها مكان زراعي. وقد قالها التنزيل الحكيم صريحة في “الحديد” مشيرا إلى الفلاحين في قوله “كمثل غيثٍ أعجب الكفارَ نباتُه”. ويذهب بعض اللغويين إلى أن كلمة “cover” التي تعني غطاء بالإنكليزية مشتقة من الفعل العربي ذاته بالعربية “كفر”.

أما العصر الحالي فقد قاد كثيرين إلى تحويل تلك الكلمة إلى كابوس، فالكافر هو عدو الله والدين. والتكفيري عند الآخرين هو الإرهابي التفجيري، وهكذا.

لكن ما يحدث في بغداد وبيروت هذه الأيام. ليس أقلّ من كفر حقيقي أصيل مقصود بكل ما قدمته الطبقة السياسية في البلدين. والكافرون هم الشباب والمواطنون والنساء والأطفال، أصحاب التكتك على جسر الجمهورية وبسطاء الطلاب في طرابلس وجسر الرينغ وحتى الضاحية الجنوبية لبيروت.

كفر هؤلاء بالطائفية، وبعضهم قال لخامنئي “عمّي قصة شيعة سنة، بضاعتك هذه خذها وعُدْ إلى طهران”. والبعض الآخر قال لغيره “كلّن يعني كلّن”. انتهينا، ولم تعد تنطلي تلك الألاعيب على الناس، لأن حاجاتهم لا يمكن أن تلبيها اللطميات ولا اللحى المقابلة والكلابيات القصيرة ولا المحاصصة ولا اللف ولا الدوران.

خذ بضاعتك وعُدْ إلى طهران
خذ بضاعتك وعُدْ إلى طهران

كفر الشباب بأكاذيب الآباء عن الصبر والمشي قرب الحائط اتقاء لشر الدولة، وكفرت الشابات بتحويلهن من نخاس إلى نخاس آخر عبر العهود، تاجر عبيد ديني وآخر لا ديني. كفر الكبار باليأس الذي شربوه عبر الزمن مع حليب الأمهات. لا انتظار بعد الآن.

لن توفر الشعارات والطائفية والقسمة الغرائزية للناس حاجاتهم الاقتصادية، ولن تفتح لأطفالهم مدارس وجامعات ولا خدمات صحية ولا محارق للزبالة ولا مدافن للموت، فضلا عن المستقبل المجهول. فما هذه الحياة التي ينتظرون من الناس أن تؤمن بها. ستكفر بها وبهم حتما.

كفروا، وقرروا أن يغطوا كل تلك الظواهر وإلى الأبد بغطاء سميك يبنون عليه مستقبلهم.

كتبنا مرارا أن المستقبل آتٍ لا محالة. لأن العلم يقول هذا. فهو من يحرك الناس، لا كما يقول المفتون اليوم بأن هناك مؤامرات ومخدرات وأفلاما بوليسية تخرج البشر إلى  شوارع الجزائر، إلى السودان والعراق ولبنان. وحين يقول العلم كلمته فلا رادّ لها ولا مانع. وقد قالوا طويلا إن “الدين هو الحل”، واتضح أن الدين لم يحلّ شيئا. وقالوا إن الضبط والسيطرة هما الحل، واتضح أنهما لا يقدمان ولا يؤخران. فمتى يدرك الناس أن “العلم هو الحل”.

24