"دفا" دراما سورية تنتصر لإرادة تحقيق الذات

سامي جنادي: المسلسل يحتفي بالنجاحات الإنسانية في الزمن الصعب.
السبت 2021/06/05
"دفا" المشاعر الإنسانية طريق الخلاص السوري

يسعى طاقم المسلسل السوري “دفا” للتأكيد على أن الحياة لا تقدّم للناس طريقا معبدة بالورود، وأن تحقيق الأحلام لا بد له من مقاومة عنيدة يقوم بها الإنسان. وفي المسلسل عوالم وشخصيات تتماهى في تقديم حكايات عن آمال وأمنيات يتحقّق بعضها ويغيب بعضها الآخر.

دمشق – في ضاحية قدسيا، القريبة من دمشق، وفي إحدى حدائقها العامة تدور كاميرا المسلسل التلفزيوني السوري “دفا”، وهو من إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني ومن تأليف الشاعر الغنائي بسام مخلوف وإخراج سامي جنادي. وفيه تتداخل عوالم الحقيقة والخيال مشكّليْن معا نبضا وحلما لفريق العمل الذي يبذل جهودا شاقة لإتمامه على أحسن وجه كي يكون جاهزا للعرض قريبا.

ويرى مخرج العمل سامي جنادي أن النص يقدّم مقولات فكرية هامة، مبنية على كون الإنسان تصنعه إرادته، حتى لو كانت الإمكانات التي يمتلكها لتحقيق آماله صفرا؛ فالإرادة هي المحرك الأساسي في حياة الإنسان. والحياة لا تقدّم الفرص بسهولة، بل تكون مرتبطة بالمصاعب والمشاق. والمعوقات التي تحيط بالإنسان أكثر من المحفزات. والناجح هو من يستطيع تطويع هذه الظروف لكي يخرج بنتائج حياتية ترضي ضميره وواجبه في الحياة.

سامي جنادي: العمل إسقاط لما عانته سوريا من مصاعب في العشرية الأخيرة دون الحديث عن الحرب
سامي جنادي: العمل إسقاط لما عانته سوريا من مصاعب في العشرية الأخيرة دون الحديث عن الحرب

عوالم متنوعة

في النص حكاية عن مجموعة من  الشباب العاطلين عن العمل الذين تقطّعت بهم سبل الحياة في بلد يعاني نزفا حياتيا موجعا، يفقد في كل يوم البعض من طاقاته وسلامه، الأمر الذي يدفعهم إلى البحث عن مخرج، فيتعاونون على تحقيق مشروعهم الخاص ويصلون من خلاله إلى برّ الأمان.

يتوجه الشباب إلى حديقة عامة فيها مكان تجاري مهجور، ومن ثم يبدأون بتجهيزه لكي يكون مقهى يُجمع فيه نشاط الجميع، ويعود بالفائدة عليهم جميعا مهنيا وماليا وحياتيا.

ومع تكاتف جهود هؤلاء يظهر المشروع للنور، ويصبح مقهى باسْم دفا، يمكّنهم من تحقيق آمالهم. لكن كما في أي نجاح لا بد من البعض الذين يقفون ضده، فيقوم أحد المتنفّذين بوضع العراقيل في طريق تحقيق هذا الهدف، مستخدما كل ما يمكنه من قوة، وتسير الأحداث تباعا في ذرى درامية متصاعدة.

واجه المسلسل الكثير من المصاعب في طريق تنفيذه، فكان مخطّطا له أن ينفذ منذ عامين؛ لكن العديد من الظروف التقنية وجائحة كورونا عطّلتا تنفيذه حتى العام الحالي.

ويقول جنادي عن كيفية العمل على النص وصولا إلى تنفيذه “أرى أنه يجب على الإنسان ألاّ يهدأ في طور البحث عن تحقيق أفكاره التي يحقّق فيه أمنياته مهما كانت العوائق في طريقه. مرّت عليّ ظروف في حياتي الشخصية فكّرت فيها في سؤال عميق: ماذا لو اجتمع عدد من الناس في تأهيل مكان متميز لينشئوا مقهى أو مزارا سياحيا أو مشروعا حياتيا محدّدا؟ وقد مضيت فعلا في هذا الطريق الطويل فتعرّفت على العراقيل والمحفزات التي تحيط به.

وعندما تواصلت معي الجهة الإنتاجية  لمسلسل ‘دفا’ وطرحت عليّ فكرة العمل اهتممت بها، لأنني كنت على بيّنة من الأفكار التي تحيط به ومن ضرورة وجود هذه الفكرة لدى الشباب. فقمت بإضافة هذه الأفكار العملية للنص ووصلنا إلى صيغة قدّمنا فيها النص بالشكل الذي يحقق لنا وللمشاهدين المتعة والإفادة معا”.

يحفل مسلسل “دفا” بتقديمه العديدَ من الشخصيات المختلفة، منها رجل ستيني (جمال قبش) يبحث لابنه عن مستقبل أفضل، وهو يراه عاطلا عن العمل، فيدفعه إلى المساهمة مع أصدقاء له في تكوين هذا المقهى.

ويرى قبش في العمل “فرصة جيدة، لكي نمرّر إلى الناس -وخاصة الشباب منهم- فكرة أن في اتحاد الإرادة طريق النجاة، وأنه لا بد من الاهتمام بالعمل الأهلي المدني التلقائي الذي يساهم بشكل فعّال في تقديم يد المساعدة للكثير من الطاقات الإنسانية الفاعلة. فالعمل الأهلي يدخل في تفاصيل حياتية قد تكون غائبة عن الجهود الرسمية، وهي مرنة أكثر، يستطيع الناس معها أن يكونوا أكثر حيوية”.

وفي العمل تمتلك مجموعة الشباب طاقات كبيرة، لكن الظروف التي تواجه بلدهم قاهرة والمصاعب كثيرة، لذلك لم ينتظروا حلولا من أحد بل شرعوا في إنشاء مشروعهم الخاص وبتكاتف جهودهم نجحوا في ذلك.

من كواليس تصوير مسلسل "دفا"
من كواليس تصوير مسلسل "دفا"

ويتابع قبش “أحببت أن يقوم طلاب الفنون الجميلة تحت إشراف مهندس الديكور بتنفيذ هذا الصرح الفني الجميل، وهو المقهى الذي صوّرت فيه مشاهد العمل، وكم آمل أن يبقى في المنطقة ليستفيد منه الناس بالصيغ القانونية التي تسمح بذلك طبعا، وليكون مثالا حيا على ما يمكن أن يقدّمه الفن من قيمة مضافة للمجتمع، فإضافة إلى المسلسل الذي سيشاهده الناس لاحقا يعتبر هذا المقهى مشروعا خدميا صار موجودا في حديقة عامة، وآمل أن تتم الإفادة من ذلك على أحسن وجه”.

وفي تناغم حياتي وفني تدخل شخصية السيدة التي تدافع بقوة عن حياتها (ريم عبدالعزيز) والتي تعمل في الحديقة وتعتني بها، وتعتبرها بيتها الذي يلجأ إليه الجميع أثناء فترات الضعف في حيواتهم.

وتقول عبدالعزيز عن دورها إنه “شخصية امرأة لا تعرف الضعف، تقوم بالزراعة في الحديقة وتجعلها مكانا هادئا مليئا بالأزهار والخضرة. ورغم ظروفها الصعبة ما زالت تعيش وتحب ثم تتزوّج ممّن تحب لترسم معه مستقبلا أفضل. الشخصية نراها كثيرا في حياتنا اليومية، وهي نموذج للمرأة المكافحة التي تحب الخير للناس ولا تتأخّر عن تقديم يد العون لكل من يريد”.

أما الفنانة صفاء رقماني فتقدّم في المسلسل شخصية شابة معنفة من قبل زوجها الذي يمارس عليها مختلف أنواع القسوة والبطش الأسري، وبعد انفصالها عنه تعود إلى الحياة وتتعّرف على هذه المجموعة من الناس فتكون معهم في تفاصيل حياتهم.

وعن دورها تقول رقماني “الشخصية التي أقدّمها هي عبارة عن سيدة تقاوم ظروفا حياتية قاهرة وهي لا تستسلم لها، تعيش حياة زوجية شاقة تنتهي بمأساة الطلاق، لكنها لا تقف عند هذا الحال، بل تتابع مسيرتها وتبحث عن فرص حياتية مع أناس يشبهونها، فتتردّد على الحديقة التي توجد فيها المجموعة وتبدأ بتقديم المساعدة الإنسانية لهم من خلال ما تملكه من أموال، وتصبح جزءا من ذاك المشروع”.

وتضيف “سعدت بتقديمي لهذه الشخصية في هذا التوقيت بالذات، كوني قد تعرضت في الفترة القريبة الماضية إلى ضغوط شخصية صعبة بفقدان والدتي التي أراها وأتحسّسها في كل ثانية معي في عملي كما لو أنها موجودة. وما كنت لأقدر على تجاوز هذه المرحلة لولا أنني قدّمت الشخصية بفكرة التحدّي ومقاومة الظروف الصعبة”.

المقهى بطلا

أحلام بسيطة قادرة على التحقّق
أحلام بسيطة قادرة على التحقّق

في مكان قصي من الحديقة يوجد بشكل شبه دائم فنان أدّى شخصيته عدنان عبدالجليل، وهو مسرحي ونحات وشاعر ومغنّ، غرق ابنه في محاولة هجرة إلى أوروبا في البحر ففقد توازنه العقلي، فاختار مكانه في الحديقة وجعله خلوة إبداعية يمارس فيها طقوسه اليومية.

وعن الشخصية يقول مخرج العمل “في شخصية جرير إسقاط على ما جرى في البلد خلال فترة السنوات العشر الصعبة التي مرّت والتي كلفت الناس الكثير من المتاعب الحياتية وانكسار الآمال”.

وعنها أيضا يقول عبدالجليل “جرير شخص مبدع يرى الحياة بمفهوم مختلف، هو شخص ينحت ويؤلف الشعر ويغني، وكثيرا ما يعبّر عمّا يختلج في صدره من خلال ما يبدع، يقاوم بداية وجود هؤلاء، لكنه بعد أن يتعرّف عليهم بشكل أعمق يؤمن بهم وبمشروعهم، ويحثهم على التمسّك بالأمل في مقاومة المصاعب وتحقيق الطموحات. هو شخصية تمثل إرادة الناس في التمسّك بمساحة الحلم، التي لا بد منها لاستمرار الحياة”.

ودارت معظم أحداث مسلسل “دفا” في مقهى يقوم في حديقة عامة، ولم يكن المقهى موجودا قبل تنفيذ العمل ممّا اضطر فريق الديكور على إنجازه وفق تصميم محدّد، فغدا بناء متكاملا خاصا بالمشروع.

ونفّذ المقهى من قبل طلاب كلية الفنون الجميلة، حيث أقاموا البناء وأعدّوا التزيينات الخاصة به، كما قدّم عدد من الفنانين منحوتات له. كذلك كان للمخرج سامي جنادي دور في عملية النحت، حيث قام خلال فترة التحضير بنحت مجموعة من الأعمال التي تمّت الاستفادة منها وصار البناء الجديد في الحديقة مقصدا لأهل الحي يزورونه باستمرار.

و”دفا” من بطولة ثلة من الفنانين السوريين على غرار جمال قبش وزيناتي قدسية ومحمد حداقي ونادين خوري وريم عبدالعزيز وعدنان عبدالجليل وباسل حيدر وليث المفتي ونور الوزير وعامر علي ومحمود خليلي ولينا حوارنة ورهف الرحبي وآخرين.

كافتيريا "دفا".. مقهى أوجده المسلسل
كافتيريا "دفا".. مقهى أوجده المسلسل

 

15