دفتر خواطر عربي حول مبدع "الرباعية الإنسانية"

الأحد 2013/09/15
الإنسان أربعة.. والأربعة دمرتهم أميركا بثقافتها

بين المعلم خورخي أوتيثا والتلميذ الافتراضي بالنسب النحتي عاصم الباشا أكثر من نقاط التقاء، فكلاهما نحات، وكلاهما عالمي، وكلاهما فيه كثير من أسبانيا، وعبق الأندلس، الأول بالمولد، والثاني بالمنفى الاختياري هربا من الدكتاتورية، لتحتضنه عواصم العالم (بيونس آيرس) مولدا، لأم أرجنتينية وأب مهاجر من سوريا و(مدريد) لاجئا، وكلاهما كاتب، الأول يعي أن "الله موجود في الشمال الغربي" إحدى دواوينه، والثاني يؤمن أنّه "الشامي الأخير في غرناطة" أحد أهم روايته الحائزة على جائزة "ابن بطوطة لأدب الرحلة".. والاثنان مهووسان بشيئين اثنين هناك ثالث لهما: الوطن، والإنسان، أما العدم فهو الجامع بينهما، إذ قال أوتيثا يوما: "أما العدم فهو كلّ شيء"، وعلّق الباشا بعده بسنوات: "ومن قال أن الفراغ عدم؟".. هنا تلميذ يكتب، عفوا، ينحت أستاذه.

سعيد لأنني أساهم في التعريف بمعلّمي أوتيثا (أحد الثلاثة الأهمّ لديّ في نحت القرن العشرين) لدى بعض الزملاء والمهتمين بالثقافة. ابحثوا عنه عبر النت: Jorge Oteiza، وليستمع إليه من يعرف الإسبانية عبر اليوتوب، هو من مواليد 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1908 من مدينة أوريو في محافظة غيبوثكوا في إقليم الباسك الإسباني، توفي في 9 أبريل/ نيسان 2003 في سان سيباستيان، هو نحات وكاتب ومصمم إسباني.


1


طلبت منه الكنيسة صنع تماثيل للرسل لواجهة كنيسة في بلاد الباسك. اشتغل أوتيثا على قطع الغرانيت الضخمة، وقبل تركيبها زار المطران أعمال البناء ورأى تماثيل الرسل المستلقية في الجوار، ولسبب ما خطر له أن يعدّ تماثيل الرسل فاكتشف أن النحات صنع أربعة عشر تمثالا. وعندما استنكر الأمر لدى أوتيثا أجابه هذا الأخير: "المجال لا يتّسع لأكثر".

رفضت الكنيسة العمل لأن الرسل إثنا عشر.

بقيت المنحوتات مرمية على جانبي الطريق المؤدية للكنيسة 16 عامًا.

وعندما اكتشفت الكنيسة أهمية أوتيثا وتهافت المتاحف لاحتواء أعماله نصبتها في مكانها.

لعله التشكيلي الوحيد الذي فرض رأيه على سلطة الكنيسة، بالإضافة إلى مايكل أنجلو في القرن السادس عشر وإن غطّوا عري أشخاصه فيما بعد.


2


في إحدى مقابلاته يوجز أوتيثا: الإنسان أربعة، إنسان السماء (وهو البدائي الذي كان يخشى من كلّ شيء) وإنسان الأرض (الذي اشتغل الأرض) ثم إنسان الله (الديانات) وأخيرًا إنسان الأمل.. الذي دمّرته الولايات المتحدة الأمريكية بثقافتها! دمّروا الأربعة الذين في دواخلنا.


3


أنهكني بالاستمتاع

كانت نيكول، زوجتي، تقول لي خلال الزيارة: أنت صنعت شيئًا كهذا! عندك ما يشبه هذا! وأنا أهزّ رأسي.

ثم قلت لها: أهميته في أنه قالها. صحيح أنني وصلت لاستنتاجات مشابهة بعده بسنوات، ودون أن أعلم بأنّ الهمّ هو ذاته أو متقارب الشاغل، لكنه يبقى معلّمي (وإن كان غالبية نحّاتي العالم يجهلون مروره في عالم النحت هذا).

أن تتعلم من الكبار لا يعني أن رأيهم منزل، دعه محرضا لما قد يجول ببالك، حتى وإن كان مختلفا، بل إنه من الأحسن أن يكون


4


فرحت عند المعلّم أوتيثا، بما كنت أجهله من عمله، "بابان" مارستهما بفطرة تطوّر الحسّ المتواضع لديّ:

أن تكون القالب، والمادة تُظهر المنحوتة (تجربة نصبية لي في كوبا سنة 1988).. وأن تصنع من "الفضلات" ترتيبًا ما (وهذا يختلف عن رؤية بيكاسو قرني ثور في مقود دراجة ورأسه في مقعدها).

تجاوزني في معرفته لهايدجر والفضاء وأنهكني في فهم الهندسة ودورها، وهو أمر كنت لأناقشه حوله.

أن تتعلّم من الكبار لا يعني أن رأيهم مُنزّل، دعه محرّضًا لما قد يجول ببالك، حتى وإن كان مختلفًا. بل إنه من الأحسن أن يكون.


5


لا أدري ما أفعل نحتًا.. دنوت من الظرف المناسب، بقي أن أغيب وألعب.

عندما تفاجئك المادة وتقول لك ما يجب أن يكون.. تعيش أطيب اللحظات.

ثم يصفّقون لك.


6


"الله موجود في الشمال الغربي"، عنوان ديوان لخورخي أوتيثا.

إلهه الخاص.. بالطبع.

منه (ارتجالاً):

ما من أحد على هذه الورقة البيضاء

ما من أحد

لكنني أنادي على هذه الورقة

أضع عليها كلمات

وأنتظر.


7


هو قال:

الفضاء هو من يصنع الزمن. وأن تنحت يعني أن تعدّل شيئًا في الفضاء فينعكس الأمر على زمن صارت تحمله المنحوتة. عندما تحرّك كتلة من مكانها فأنت تفاجئ الفضاء إذ توجد فيه عدمًا يضطرّ إلى ملئه!

وأنا علقت:

أليست لعبة ممتعة أن تلعب بالفضاء الذي يخلق الزمن.. وأنت العابر؟


8


في الحرب الأهلية الأسبانية، بينما كانت مدريد تتعرّض لقصف يوميّ ودائم، قرّرت مجموعة من الفنانين والمثقفيــــن العمل على إجلاء ثروات متحف البرادو حفاظًا عليها.

وتمّ الاتفاق مع السلطات السويسرية لحفظها أمانة.

ولأن الموكب كان يمرّ في مناطق النزاع تدخّل دوق آلبا المقرّب من فرانكو ليعلمه بالأمر، كيلا تقصف طائرات موسوليني وهتلر تلك القافلة.

فأمر فرانكو على الفور بضرورة قصفها! الأمر الذي تمّ دون أن يصاب لحسن حظ تراث البشر.


9


ألثوثا Alzuza، ضيعة تبعد 8 كلم عن بمبلونة، تقع في مرتفع يطلّ من كلّ الجهات على منظر خلاّب، إنها بداية جبال البيرينيه، الحدود مع فرنسا. انتقل إليها النحّات أوتيثا مع زوجه إيتسيائير (اسم باسكي) لأن شقيقها كان قائمًا على كنيستها الصغيرة. "سنتان أكمل بهما كتابًا وأعدّ لمعرض شامل" قال وقتها أوتيثا، لكنه بقي حتى آخر أنفاسه. قال في إحدى المقابلات إن الموت صديقه وإن مقبرة ألثوثا المجاورة للكنيسة صغيرة إلى درجة أنهم يدفنون الموتى قيامًا! وأنه أوصى أن يميلوه إلى جانبه الأيسر، لأنه لا يحب "الشاقول" ولا يريد أن يذهب إلى السماء كما الآخرين لحظة "الانطلاق"، بل إلى جهة ما أُخرى.


10


قبل النوم

كان حادًّا في ردود فعله، لدرجة وصفه مايكل أنجلو بالجزّار.. لكنه يجعلك تفكّر.. وتحاول إحساس وجهة نظره.

……

عند أوتيثا.. أحسست أنني نحّات.

……

لو كان معنا، أوتيثا، لكان معنا.

……

يحزنني من لا يعرف خورخي أوتيثا.


11


في خضمّ ضجيج الأطفال والعويل والنعيق والأزيز والـ.. فصلت نفسي، كالعادة، وخطر لي:

كتبت منذ سنوات: "ومن قال إن الفراغ عدم؟".

هو في المنحوتة مادة يلمسها البصر وتحتويها البصيرة.

أما العدم فهو كلّ شيء، كما قال أوتيثا.

جئنا من عدم ونسارع عائدين إليه على عربة يسمّونها حياة. نحاول أن نجعل للرحلة معنى، لكن الغالبية ترث آراء من عبروا عتبة العدم قبلهم (يسمّونه جنة أو نارا)، وقلّة القلّة تحاول ألاّ تعيش عبثًا فتتمرّد على ما أملاه السابقون. قد يهزأ من لا يؤمن بالمادة.

سأرميهم بفراغي وسيرون كم هو مؤلم.

ثم يقولون إنه ليس مادة!


12


يحاول بعض الزملاء مشكورين التعبير بأعمالهم عن مدى الألم والمأساة التي يعانيها أهلنا. لكن لوحة أو منحوتة أو عمل حفر ليس بمقدوره الإحاطة بذلك المدى. من هنا أن يلجأ المبدعون إلى ما يشبه الجداريات (أذكر هنا المدرسة المكسيكية المتميزة:

أوروثكو وسيكيروس وريفيرا)، ولعلّ خير ما تسنّى لي تصميمه تأتّى بعد مجزرة مخيّم جنين أوائل القرن.

لكنه حلم آخر مدفون.

أعترف أن الألم ينزّ من غالبية ما حاولته خلال أربعين سنة.

ربما كان الحلّ بجمع الأعمال جميعًا أمام حائط.

لأنني أشعر بالعجز.


13


منذ سنوات خمس حلمت بإنجاز نصب تذكاري لضحايا "انعدام الشرف". تصوّرته على تلّة قريبة من يبرود.

أنجزت التكوين ويخيّل إليّ أنني بلغت غايتي: إدانة المجتمع برمّته، وذلك بخلق مسافة بين الضحية و"الناظرين":

(حلم- تكوين) اضطررت إلى دفنه.

16