دفتر سينما النصر

السبت 2015/03/14

سأبدأ معكم اليوم من حلق الدربونة أو الشارع الذي يفصل بين سينما بابل وأختها بالنكهة والمنافسة والذكريات الحلوة، سينما النصر بشارع السعدون من أعمال بغداد العباسية.

لن أغوص بعيداً بل سأنصب خيمتي بباب الزقاق، فعلى ميمنة الداخلين المولّين وجوههم صوب مسرح بغداد الذي صار الآن مزبلة، ثمة دكان كبّة البيادر وصاحبه أبو عامر، ولصقهُ سترى في ما ترى حانة عشتار وصاحبها أبو هاني وجه الأسد ونجله الوسيم هاني، الذي كنّا نستبدل عنده خراج عربة الكرزات المكسرات من خمسات وعشرات وقرانات ودراهم ومئات معمولات من معدن، وهذه يسميها أهل العراق بالخردة، والشوام يسمونها الفكّة أو الفراطة، بدنانير ورقيات واحدهم يعيّش عائلة مكونة من عشرة أنفار وجارة مقطوعة من شجرة.

في موضع السنّ من الفم سترى عربانة الأخوين علي وحسين ومنظرها المبهج الشهيّ بالعمبة والبيض والفلفل اللاذع والصمّون الحار واللّب الغالي، بمواجهة عربة التكة والمعلاق التي يدير أمرها المدخّن، رجلٌ جميل قد يكون اسمه سيد جاسم.

ثلاثة مطاعم تأكل الجزء الأعظم من وجه السينما، هي مطعم أكسبريس فلسطين والرصيف والقصبة، وقاسمهم المشترك الأطيب هو شيش الشاورما العملاق وصمون الباسطون الطويل وبطل الصاص الذي يشبه بطل بيرة عرقان بارد، بمقدورك كرعه وقوفا، بحانة اسطيفان التي تتخفّى قرب أبي الستين، وهذا هو سعر أرخص كراسي السينما التي تكاد تلتصق بالشاشة، حتى يخيّل للقاعد هناك، أنّ بمستطاعه إقناع عبدالحليم حافظ بهجر حضن نادية لطفي الشهيّ، والعودة نادماً غانماً على بيت طاعة ميرفت أمين المذهلة.

وعندك بسطة جرائد مزروعة على الميمنة، وصاحبها إبراهيم السمين القاسي على أخيه ناصر، حيث شجاراتهما تكاد تنزل الطير وتصيّر الشارع فرجةً مجانيةً.

على ركن الشارع الأشول، سيكون عليك أن تشتري كيساً من الحَبّ الأحمر أو الأبيض أو الأسود أو الفستق أو الحبة الخضراء أو البطم المنقوع المالح أو السسّي المشوّك أو الحمّص بصنفيه القاسي والهشّ، وهذه المكسّرات المسليات ستكون إحدى أعظم سواترك التي ستعينك على تحمّل قهر ونحيب فاتن حمامة في شريط “امبراطورية ميم” الجميل.

ما تبقى من وجه سينما النصر، هو دكان سياحة ومطعم صغير لا أدري اسمه الآن، لكنه حتماً من ممتلكات عمّي اللّح جاسم أبو يحيى. ثم أنك إن أكلتَ من الزقاق ثلاثين ذراعاً، فسوف تجد على يمينك بناء يشبه بنكلة، طوله من طول مبنى السينما، وذاكرتي تسميه ملهى الحرية، وذاكرة فاضل خليل سمّتهُ ملهى النجوم، وعطب الذاكرة مرجوع للطرفين.

طبعاً لن أقبل أيّ زعل أو معارضة تقول، إنّ علّوكي البطران يكتب عن الملاهي والسينمات والحانات والمطاعم والعمبة الطيبة والبيض، في زمن تكاد البلاد كلها تشتعل!

24