دفتر غرناطي

الثلاثاء 2014/02/18

في الحديقة المتاخمة للمتحف بغرناطة سوق للحرف اليدوية، أغيب في زحام الناس وألقى في التماثيل الخشبية المتكرّرة لزميل إفريقيّ شيئا ممّا يعتورني ويذكّرني بأعمال صاحبي الذي دخل سهوا في المتاحف. يصبغها لتحاكي الأبنوس فأبتسم، لأننا نقلّد كلّ شيء. في خزفيات البيرو والخشبيات الهندية أتنسّم شيئا مشابها. ألم يكن إرغام المصوّرين والنحّاتين على الدخول في البورصة لعبة تجارية بحتة أملتها صفاقة البرجوازية الوليدة في محاكاتها لأولي السلطة الدينية والدنيوية؟ ترى، أما كان النحّات السومري، الفينيقي، اليوناني أو المصري يعمل كأي مهنيّ آخر؟

كذا أميل إلى رؤية التشكيل اليوم. أنا واثق من حسن اختياري لمعلّمي الأول، ذلك الذي أجهل اسمه، من كان ينتظر في حانوته، في السوق، أن يُطلب منه تمثال لعشتار أو.. يخفّف هذا في نفسي من وطأة انهيار الأحلام.

جاءني بالأمس صديق برفقة طفل أوكل به لغياب أهله. تصفّح الطفل ما تسنّى من الأعمال وسأل: كيف يُفهم هذا؟ ارتبكت. سارع صديقي قائلا: قد تدرك.. مع الزمن. لكن الطفل لم يقتنع. سحر سؤاله ما زال يلاحقني. تراه ما زال بعيدا عن ممارسة الموت؟ لم يعه بعد؟

الشك برزخ بدوره ونحن بتنا من سكّان البرازخ. إنما نسعى كي لا نموت تماما. هذا أمر لا يحتمل النقاش. وربما كنا الموتى الذين عناهم جان جينيه. والخواء هنا، في بلاد الفرنجة، وافر أيضا، إلاّ أنهم ينشغلون بتأمّل الصرّة والحفاظ عليها بما يمليه ذلك من إلغاء للغير. شعوب الشرق الأقصى لم تنقطع عن الرسم والنحت منذ آلاف السنين، فهل صادفت تأريخا للفنّ المعاصر يشير إليها؟ ونحن ننتمي إلى العالم المتجاهَل، عالم عاجز عن تفهّم ذاته وتابع بحكم جهله واعتماده في أحسن الحالات، على تأريخ زائف. حيال هذا القدر من الموت لا بدّ لنا من المطالبة بكثير من الحياة. الإشارة إلى العتمة للإيماء بالنور ما عادت كافية. ليس من حقّنا التذمّر مما نجنيه بعد أن اخترنا بمطلق الحرية. أذكر طرفة في هذا الصدد: بعد أن ساءت أحوال أبي الاقتصادية عمد إلى ممارسة مهنة تعلّمها في طفولته وهي حياكة الشقق التي تتألف منها بيوت الشعر.

زارني بهيج أيّوب، زميلي في كلية الفنون، المعيد فيما بعد والمهاجر إلى كندا في نهاية المطاف. عرجنا على “دكّان الحياكة” وكانت دردشة (والدي كان يريدني طبيبا، مهندسا، أي ذا نفع)، وبما أن يبرود، التي تقصف اليوم بالحمم، تكاد تكون مرادفا للهجرة عبّر والدي عن دهشته من “الثروات” التي يجنيها عمال البناء في السعودية والخليج في سنوات معدودة، وكان يقارن النتيجة بثمان وعشرين سنة متواصلة في نهاية العالم. كان يومئ بالطبع إلى خيارنا، وبما أنني كنت سئمت مناقشة الموضوع، بادره بهيج بالإمالة اليبرودية: هلّق يا بو عمر، أنا ولاّ عاصم، ما فينا نحطّ بلاطة جنب بلاطة جنب بلاطة تا تقوم الناقة؟! فينا، بس ما بدنا. ما زالت قهقهة الوالد ترنّ في الذاكرة.


* نحات وكاتب من سوريا مقيم في غرناطة


15