دفتر يبرود

الخميس 2014/03/20

في يبرود، أيام المراهقة، أيام الأسئلة الأساسية، كان لي صديق أتحاور معه ويسجّل، أذكر، حواراتنا الفلسفية في دفتر. اسمه نبيل السوقي. أصبح مدرسا للفلسفة وانقطع ودّي معه يوم أعلن أثناء غيابي أنه تنازل لي عن إيفاد الحزب (الشيوعي) لي، علما أنني كنت موفد دولة بعد مسابقة وقبل عهد الوحش. المهم؛ أرجو أن يكون بخير وأن يحتفظ بالدفاتر التي هي مراحل تفكّري وأسباب إلحادي.

ترى .. هل يتركون صور الطفولة وذاكرة العائلة؟ ربما يحرقونها. أبناء النار يهوون لهيبها.

أراقب بذوري كيف تنبت. وفي يبرود تنبت الآن أيضًا. أشباه البشر لا يدركون قوة الطبيعة … وأن بشرًا أسوياء ينبتون أيضًا.

أكثر ما آلمني هو خبر يفيد بدخولهم من وادي سكفتا القريب من بيت الأهل ومرتع صفناتي المبكّرة. أعرف كل صخرة وجحر فيه .. ويعرفني. يبدو أن الشباب ما عرفوه أو لم يفطنوا له.

كنت محقًا يا أبي، العزّة أو الموت. الشباب ترجموها: الموت ولا المذلّة. لن نختلف حول المفردات.

لا أحد يصدّق. أشتل الماريهوانا لأهديها لمن يعشقها، ولا أستهلكها أبدًا، يكفيني ما أنا فيه . وكأنك تزرع الأزهار لتهديها. أليست النتيجة ذاتها؟ ثم أنني أفعل نكاية بداعش والنصرة.

ربما اخترت إسبانيا للمنفى لأنها تذكّرني بالبلد . فالعدالة هنا تستحقّ ختم العالم الرابع، كما عندنا. من يسرق لأنه جائع يقبع في السجن طويلاً، ومن يسرق البلد ما زال يتمتع بالحرية وبيخوته .

في الستينات قال لي حفّار قبور يبرود: “مرتين .. فتحت القبر ورأيت الجثة متحرّكة” .

يبدو أن الغسيل بالمياه الساخنة غير كاف.

في خضمّ الحرب الأهلية الإسبانية كتب الشاعر ميغيل إرناندث لابنه الرضيع:

“حلّق يا بنيّ

فوق القمر المزدوج في الصدر

هو، حزين من البصل، وأنت راض

لا تدرك، يا بنيّ، ماذا يجري، وما يحدث”

آمل ألاّ تعرف أمّي ما يجري ، وما يحدث.

يوم مات أبي، وكنت وحدي معه، نطق آخر كلمتين بالإسبانية، قال: se terminó، وتعني “انتهى”.

أغنية من الأوروغواي:

” سأطلب أن يدفنوني جالسًا عندما أموت

لتقولي لهم: مات .. لكنه ينتظرني”.

لن يكون لي قبر. لكن، لعلّ وعسى (فمن يدري ما يفعلون به عندما لا يستطيع الاحتجاج؟)، لا أريد سوى كلمة واحدة على الشاهدة المفترضة: “حاولت”.

15