دفتر يوميات الشاعر الأميركي تشارلز سيميك

الأحد 2014/12/28
تشارلز سيميك: القرد يضرب على الآلة الكاتبة

تحيا قصائد تشارلز سيميك Charles Simic على الحافّة- في الحواشي، وعميقًا حولها؛ في التخوم، دائمًا، وعليها: “حيث كل شيء يترنح على حافة كل شيء”. على ذلك الحرف المعلق بين الزمن والتاريخ، وبين الزمن والأبدية. كما لو أن اللغة، في جوهر وجودها المعيّن، هي حالة مؤقتة لما لا يوصف أو يقال. كما لو أن القصيدة، في كينونتها الدائخة، ليست سوى ذلك الصوت الهامس الذي نسمعه، عميقًا، في آخر الليل.

القصيدة-الظلّ التي هي كل شيء آخر. كل ذلك الذي لا يتحقق إلّا بأخرويّة ما سواه. الأنا الغنائية في مواجهة العالم-المخيّلة، في أقصى طاقاتها، ضدّ شروره وفوضاه.

كما إنّ موضوعة الشعر، عند سيميك، هي “موضوعة الشعر في زمن الجنون”: أن “يذكّر الناس بمخيلتهم وإنسانيتهم”. وليس الشاعر، عنده، سوى “ميتافيزيقيّ في الظلام”. شاعر يسعى، بالنظرة غير العاطفية التي يمتلكها عن العالم، إلى كتابة قصيدة دنيوية أبدية؛ قصيدة تتقبّل التراجيديا، تلك “الكآبة اللذيذة”، تعيش فيها، ثم تمضي قدمًا. حيث الشاعر “لا يمتلك تاريخًا، بل نوستالجيا لا تنتهي”. الواقعية المتجهّمة التي تحوّل التراجيديا إلى نوع من الشعر الذي هو السعادة: “السعادة القديمة وقد تحوّلت إلى سعادة جديدة”.. تشريح الكآبة الذي يفضي إلى الغرف الجوانيّة للنفس التي ترى.

وثمة نظرة مزدوجة في القصيدة التي يكتبها سيميك. من المُتخيَّل والعادي. عوالم سورياليّة يتصادم فيها الميثولوجي بالمبتذل/العاديّ، ويتصادم فيها اليوميّ بما هو وراءه: يغمض الشاعر عينيه، على قدر استطاعته، “كي يرى العالم على نحو أفضل”.

كما إنّ الهَزْل والظُّرْف وحضور البديهة والتهكّم سمات أساسيّة في بنية المشروع الشعري الذي يشتغل عليه؛ لأنّ “الهَزْل، كالشعر، منتهِك ومحرّض”.

“قلّة من الشعراء المعاصرين كانوا بمثل تأثير سيميك، أو في مثل فرادته”، كتبت النيويورك تايمز بوك ريفيو، و”لا يوجد، في أميركا، شاعر آخر يكتب بإحساس عظيم من وضوح الصورة، مثلما يفعل (هو)”، قالت صحيفة لوس أنجيليس تايمز في مديح الشاعر والمفكر والمترجم الذي قدم إلى الولايات المتحدة، هاربًا من جحيم يوغسلافيا السابقة، وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره.

حقق تشارلز سيميك حضوره، كشاعر متميّز، في العام 1971، حين نشر كتابه الثالث، “تفكيك الصمت”، والذي ضمّ مختارات من ديوانيه الأولين، “ما الذي يقوله العشب” (1967) و”في مكان ما، بين ظهرانينا، حجر يدوّن ملحوظاته” (1969)، رفقة ثماني قصائد جديدة أُخَر. ثم، وفي العام 1986، يترشح كتاب قصائده المختارة لجائزة بوليتز المرموقة في الشعر؛ وفي العام 1987، كذلك، مرة أخرى، عن كتابه “بْلُوز لا تنتهي”. ولكنه لا يفوز بها إلاّ في العام 1990، عن كتابه “العالم لا ينتهي“، والذي كان أول كتاب قصائد نثر ينال هذه الجائزة الأدبية المرموقة.

وفي العام 2007، اختارته مكتبة الكونغرس ليشغل موقع شاعر أميركا الرسمي. كما ينال، وفي ذات العام أيضًا، جائزة والاس ستيفنز، والتي تمنحها أكاديمية الشعراء الأميركيين اعترافًا “بالصنعة المتفوّقة في فنّ الشعر”، وتبلغ قيمتها مئة ألف دولار. ثم ينال في العام 2011 “وسام فروست”، والتي تمنحها جمعية الشعر في أميركا تقديرًا لما قدمه الشاعر طيلة حياته للشعر الأميركي. وفي بداية هذا العام نال جائزة زبيغنيف هيربرت الأدبية العالميّة.
قدم إلى الولايات المتحدة، هاربا من جحيم يوغسلافيا السابقة، وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره

المقطوعات التي نقدمها هنا، مختارة من كتابه “المسخ يعشق متاهته” (The Monster Loves His Labyrinth )، الصادر في أميركا سنة 2008.

* * *

أخيرًا، حرب عادلة؛ يستطيع جميع الأبرياء الذين قتلوا فيها أن يعدّوا أنفسهم محظوظين.

*

عندما نعجب كثيرًا بالقتلة الجماعيّين المتعطّشين للدماء الذين بين ظهرانينا… فمن الواضح بأنّ الأمّة تشعر بشدّة بأنّ البؤس الذي في العالم لم يكن كافيًا، وأنّ المزيد مرغوب فيه، لذا، بالطّبع، فإنّ المزيد هو ما سوف نحصل عليه.

*

في زمن الكذب والعنف، تصبح الضرورة الملحّة لجنون المرء، مسألة كرامة لا أتوقّع أن يفهمها أحد.

*

لا أركع على ركبتيّ، في كل ليلة، إلّا كي أقول في ثقب مفتاحك: يا بائع الأباطيل الجوّال، ويا عاشق أدوات الموت الأخيرة، يا نصير القتلة، ويا محرّض الأوباش الذين يَقتلون تعسُّفًا، ويا ذوّاقةَ عذابات الآخرين، إلخ، إلخ.

“أيها الخادم الذليل”، يصرخ من الداخل! “يا فيلسوف التّفاهة، ويا ذَرْق العصافير، يا مَن تتكيّف، لم يُولَد أشكالك إلّا كي يُداسوا كالصراصير”، إلخ، إلخ.

*

أيها الوطن الجميل. يضرب القرد على الآلة الكاتبة.

*

فكرة أن تكون ثمة أُمّة في العالم، هناك، لا تنال ما تستحقّ، تصيب قاذفي قنابلنا دائمًا بهلع شديد.

*

أميركا هي البلد الوحيد في العالم حيث تستطيع فيها امرأة ثريّة ذات خدم وحشم أن تتحدث عن كونها امرأة مُستضعَفة ولا يسخر منها أحد.

*

آمن الغوستابو والمخابرات السوفيتيّة بأنّ الشخصيَّ سياسيٌّ. كانت الفضيلة بالمراسيم إيمانهما الآخر.

*

أحبّ عبارة مينا لوي “لا يمكن لإنسان كانت حياته الجنسية مشبعة أن يصبح رقيبًا أخلاقيًّا قطّ”.

*

يكره جميع القوميّين وجميع الأصوليّين المتديّنين المدينةَ العصريّة لتنوّعها وعفويّتها. تسود البلاهة والحقد، بسهولة، في المجتمع الصغير، ولكنّ للمرء في المدينة طرائق مختلفة للتملّص من قبضتهم.

*

لا يصلح جميع الضحايا الأبرياء أن يكونوا أبرياء، خلصت إلى ذلك أثناء قراءتي للصحف اليومية في آخر أربعين سنة. يتوجب على المجموعة العرقية، بدايةً، أن تصبح شائعة كموضوعة (مثيرة) للشّفقة، قبل أن يتمّ قبول براءة (أفرادها) بوصفهم ضحايا. بخلاف ذلك، مستحيل.

*

الهوية الأميركية هي في الحقيقة حول امتلاك هويّات كثيرة في وقت واحد. جئنا إلى أميركا هاربين من هوياتنا القديمة، والتي يتمنّى الدّاعون إلى تعدّد الثقافات أن يعيدوها إلينا.

*

التاريخ بالنسبة إلى أيّ نظرية مؤامرة هو تُرهّات. كل حدث عموميّ هو ستار تحدث خلفه الأحداث الحقيقيّة. المؤامرة، وفق ذلك المعنى، هي نظرية تمثيل. ما تراه هو في الحقيقة ليس ما هو هنالك حقًا.

*

لا فرصةَ أمام أيّ أيديولوجيا، أو أيّ معتقد لا يمتلك الكراهيّةَ بَهارًا، في أن يصبح شعبيًّا. أن تكون مؤمنًا حقًّا، يتوجب عليك أن تصبح كارهًا بامتياز.

*

كان الكتاب الأميركيّون محظوظين لأنّ الأغنياء والمتنفّذين لا يكترثون باتخّاذهم حظايا. لم يكُن مثقّفونا المزعومون محظوظين جدًا.

*

يا نهّامي عذابات الناس، لقد حان وقت الولائم الخرافيّة.

*

حيثما تخفق الكلمات وتسود الدهشة: صمت الليل يضيء النجوم. يصبح الحديث عن الله في هذه اللحظة ضربًا من التجديف.

*

نظرات السحليّة لا ترمش على الصخور، كما لو كانت صفّ أجهزة تلفاز مفتوحة كلّها على نشرة أخبار المساء.

*

أيها المنافقون الأتقياء، وأيها المتبجّحون المعروضون للبيع، يا المهووسين بالحرائق، ويا ذوي المطامح العالميّة، يا مخترعي أكباش الفداء، ويا كهنة تكديس المال، يا سارقي غداء أطفال الفقراء، ويا الجبناء الذين يدبّجون افتتاحيّات الحروب، ويا ملايين أبناء الحرام القساة، دعوا هذه العجوز الصغيرة وكلبها الكهل يعبران الشارع.

*

تلك الوجوه الباسمة التي رآها المرء في ساحات الإعدام دون محاكمات، قبل مائة عام، قد عادت بيننا، وما زالت تبتسم.

*

لطالما يخربش الشيطان شيئًا ما. يحاول الجيران استراق النظر من فوق كتفيه؛ الذباب، وحتّى الله نفسه. وحين يسأله الناس ما الذي كان يكتبه، يخبرهم: لا شيء. وبالرغم من ذلك يقولون إنّ جيوبه طافحة بمماحٍ بالية وأعقاب أقلام رصاص.

*

في ظلّ قتَلةٍ يعملون، ركلنا كرة من أسمال. لم نرَ المشنقة، يا أصدقائي، ويا رفاق لهوى القدماء، بل غربان تندفع بعنف في السماء كلّما ركضنا صوب البيت إلى أمهاتنا.

*

خربشة غير مقروءة، تشوُّش أفكارًا لم تنته بعد، أخبرني، هل هي بصمة إبهام يد الله التي أنا ضائع فيها؟ أم ثُمالة قهوة آخر اللّيل لأحد الشياطين؟

*

في البحث عن شفاء لحصان ميّت في العراق، يعرض السّاسة والجنرالات وكتّاب الأعمدة الصحفيّة علاجاتهم المعجزة.

*

يقول الرئيس: “لنقصف أحد البلدان بالقنابل حتّى يحبّوننا”.

*

“عزيزي الرفيق ستالين”، كتبَ، “حلمي هو أن أرى جميع العالم وقد أصبح مزرعة دواجن جماعيّة”.

*

عجوز يلتهم الحساء معتمرًا قبّعته، يرتشف ويمسح فمه بكمّه، وهو يشير بملعقته إلى الغربان الجاثمة على رأس الكنيسة البيضاء. “كالشيطان نفسه”، يقول، “نعم، يا سيّدي، كالشيطان نفسه”.

*

لقد أحبّ ثُوْرُوْ النمل. كان يلتقي شَيْصَبَانًا في الصباح، فيقضي جميع النهار وهو يحادثه. وغالبًا ما حلم پو بأنّه كان فرخةً سوداء تُنقِّر في المقبرة ذات ليال مقمرة. أبقى هوثورن مسمارًا صدئًا في حذائه، بوصفه حيوانًا أليفًا. وعالج ميلڤيل كآبته بالتهام فراولة طازجة بالقشدة في صباحات الصيف. وآن يجنّ المساء، تستطيع إيميلي ديكنسون أن ترى ظلّ عقلها مطروحًا على جدار غرفة النوم. وذات مرّة هبّت النار في لحية ويتمن. جاء الإطفائيّون من لويزيانا لإخمادها.

ثم قال إيمرسون: “العالم كتاب هائل مليء بالصور”. “وكل امرئ يستخدم صفحاته ليمسح بها مؤخرته”، كتبَ عبقريّ أميركيّ ردًّا عليه في حاشية الكتاب الذي استعرته من المكتبة.

*

المفهوم الوحيد الذي يفهمه الجمهوريّون، هو الذي بموجبه يصبح الأغنياء أكثر غنى وهم يسرقون من كل شخص آخر.

*

أسمع بأنّ ديكارت قد وضع أفضل مقولاته الفلسفيّة وهو كسلان في السرير في فترة ما بعد الظهيرة. ليس أنا! فأنا ذاهب إلى مقلب النفايات، نافخًا في بوقي، ملوّحًا إلى الجيران.

*

الحقيقة هي، نحن أشدّ قُربًا إلى السماء في كلّ مرّة نتمدّد فيها. إن كنت لا تصدّق، فانظر إلى القطّ الذي يتمرّغ وقدماه في الهواء. نهار مشمس بعد عاصفة ليلة الأمس هو دعوة إلى الفردوس، لذلك قفزنا من السرير لنرتدي ثيابنا على عجل، كي نتوانى في التّقبيل، ثم نبتعد على مهلنا عائدَيْن إلى السرير ثانيةً، ذاهلين أنّ السقف فوق رأسينا وليس السماء الزرقاء.

*

السهاد. حياة كاملة من التفريط في الواجب. بعض تمرّد ضدّ الأبديّة برمّتها. بصقة في عينها، مثلما كانت.

*

لا أومن بالله، ولكني خائف من فتح شمسيّة داخل البيت.

*

قرن آخر يجد فيه المرء الذي يفكّر عميقًا نفسه وحيدًا ودون كلام.

*

أينما يكون الإذعان مثالًا، لا ترحاب بالشِّعر.

*

بالنسبة إلى سيوران، الصمت قديم قِدَم الكينونة، وربّما أقدم حتّى.هو يعني الصمت الذي قبل الزمن. وهذا هو الإله الوحيد الذي أؤمن به.

*

ليل شتاء بارد وعاصف. امرأة شريدة في الزاوية تكلّم الله، وهو، كما العادة، لا شيء لديه كي يقوله.

*

رعب سطر أدرك للتوّ بأنه قد خُطَّ نحو المطلق.

*

بالطّبع، لا دليل أيضًا لدى الله لم نحن هنا. هنريتّا لا تصدقني. تومئ للكاهن وهو في طريقه للقيام بزيارات رعويّة في الحيّ. هل يجعلني ذلك أتألّم؟ إنّه كذلك، دون أدنى شكّ.

*

على الآلهة أن يشكروا الشّعر لأنهم وجدوا أنفسهم في الجنّة.

*

كتاب قصائد حُبّ يجعل الڤياغرا عاطلة عن العمل.

*

قولُ القليل، بمعانٍ كثيرة، هو فحوى الشعر. أسلوب التعبير اللغويّ هو عرين الوحش القبَليّ. يحمل رائحته المألوفة. نحن هنا في ملكوت المعاني المراوغة المطمورة، والتي لا صلة لها بأيّ كلمة

فعليّة على الصفحة. الغنائيّة، في دلالتها الحقّة، هي المهابة أمام العصيّ على الترجمة. كالطفولة، هي لغة لا يمكن استبدالها بأيّ لغة أخرى. يتوجب على قصيدة غنائيّة عظيمة أن تكون عصيّة على الترجمة على نحو ما.

15