دفتر يوميات غرناطي: أشير نحو الشرق

الأحد 2015/08/30
تخطيط: ساي سرحان

أس

لو سئلت عن سوريا سأشير نحو الشرق ولن يفهموا قصدي؛ مهما حصل من كوارث، الشمس لا تكفّ عن الإشراق.

***

صمتي عن معبدي “بعلشمين” (أو شامائين)، فلأنني كنت أستجير به وحده كلما حللت بتدمر.

***

بمناسبة تدمر، مقطع من قصة “رسالة في الأسى”: (أوائل التسعينات)

“… ثم مددت ذراعي وحركتها أفقيا مقدّما المعجزة:

ــ ها أنت في تدمر!

كمّت فمها وأسفل وجهها الجميل بأنامل يدها معبرة عن مزيج من الدهشة والإعجاب، وهتفت:

- يا أرباب الكون! مازال عندكم كل هذا وتهزمون في الحروب؟!

“لا حول ولا قوة إلا… يا معي يـ يـ يـ ن!”.

- هلا تفرّجت صامتة… أرجوك. طالبت.

التصقت بي وقالت بدلال:

- اعذرني، ما أردت الإساءة، لكننا لا نملك أوابد عظيمة مثلكم…

رأيت من واجبي أن أرمي المسؤولية على الكاهل المعتاد:

- إننا لا نستسلم. كل ما في الأمر أننا ممزقون… وهذا هو ما يضعفنا… ثم، دعينا ندافع عن الأحياء أولا… ثم الحجارة…

قالت مستنكرة:

- حجارة! أوليست أنتم؟ أولستم هي؟

لا ريب في أن التواصل عن بعد تمّ بيننا، وأنا أنظّر في داخلي لقضية الحجارة والبقاء.

قلت مقاطعا:

- حسن ألا تتجولين؟

همست: ــ أجل.

وجمدت، ما جالت ببصرها في أرجاء الموقع الشاسع، بل حملقت في نقطة وحيدة، واستغرقت فيها، وإليها انطلقت فتبعتها.

عبرت الآثار غير آبهة، مأخوذة بتلك النقطة… وراحت شيئا فشيئا تغذّ السير منجذبة إليها، وأنا أراقبها ولا أتأمل ما نحاذيه بسيرنا.

كانت النقطة معبدا صغيرا… معبد بعل شمين الذي يركن بحضوره المتكامل الدافئ متطرفا عن الآثار المتناثرة في الموقع الرحب آنساتي سيداتي. أسرّ إليكنّ بهذا. لا تسعفني أدوات التعبير للإحاطة بكامل حديثها، تجلّياتها، إذا اعتمدنا الدقة، ولا يجدر بي إضاعة وقتكن الثمين بكل ذلك الهراء… فقد قالت على سبيل المثال:

- “… كنت تلاحقني وأنا أتجنبك لخوفي… جئت يوما ووطئت بفرسك خيمتنا… وكان ما كان… فأنت الغازي، لك القدرة… وأنا الغجرية لا حق لي في أرض ما دام الكون ملكي… ثم هربت… مع الغجر… وأنت تلاحقني منذ ذلك اليوم. تتربّص بي في مختلف الأصقاع… وها أنذا آتيك كفراشة إلى اللهب!…”

***

آلمتني رؤية اللاجئين السوريين على حدود مقدونيا، وزاد الطين بلّة أن تكون الإنكليزية لغة التواصل الوحيدة مع الأجنبي

لغة بدائية تقول “أنا حب أنت” I love you عندما تقصد: أحبّك.

***

سئمت المواربة. ينصحونني، مواربة، بعدم الإفصاح عن رأي بعد الكأس الثالثة ( ذكّروني بالمشايخ “افعل.. لا تفعل”)، ويعتبرون تذمّري من صمت أهالي ضيع الساحل وقد ضاقت مقابرهم بقتلاهم الذين خدموا القاتل “شماتة”!!! وذلك لأنني لا أحزن على مصير قتلة مطار كويرس “نسور الجوّ” رماة البراميل على الأبرياء! (راجعوا صفحة شهداء طرطوس). أفهم أن للبعض ظرفهم في الداخل، أما أن ينظّروا بما يجب ولا يجب فغير مقبول وعيب.

***

ما يقال لحظة الدفن من أن “الموت حقّ” (وهو نافل النافل) يذكّرني بما يقال عن الأحمق في إسبانيا: “سيكتشف قريبا المياه الحارّة”.

***

أتذكرون أيام المراهقة كيف كانت الحماوة الزائدة وبلا متنفّس تسبّب لنا ألما في الخصيتين؟

شيء مشابه أعيشه الآن في ما يخصّ النحت… بعيدا عن الخصيتين.

***

جميل أن تنأى عن الحقد، أمّا أن تحزن على قاتلك فرومانسية مبالغ بها.

***

كلّ من يخدم عصابة آل الوحش عسكريا أو أمنيا مجرم مشارك. ولا تقولوا لي أن المجنّد “المسكين” الذي يحمّل الحوامات بالبراميل لا علاقة له! وكأنه لا يعرف في ماذا يشارك!

***

نصف سكان الضيعة التي أسكنها “عل بركة” بسبب التزاوج بين الأقارب على مدى قرون.

تقليد عادي في بلادنا.

***

أنت تكتب، ليس لجمهور القراء (المحتشد)، أنت تكتب لمن يسأل أكثر مما يجب، وأعمق مما يجب، بعده، وحده جمهور القرّاء (سيحتشد)… عاصم الباشا مغامرتي في أن أطلب منه: “اقرأني”.

نحات وكاتب من سوريا

11