دفع إسرائيل للتحول إلى كيان غير عسكري دون جدوى

في الغالب، لن تكون هناك إسرائيل في المستقبل، بل إن الحديث اليوم أصبح مركزا على مرحلة “ما بعد إسرائيل”. فالعديد من الكتاب والباحثين أكدوا أن النظرية التي بني عليها هذا المجتمع لا يمكن لها أن تؤسس لدولة باقية في الزمن، فالفكرة الدينية غالبا ما تكون ظواهر تشبه الدولة وليست دولة، وهذا ما يطبع حياة الإسرائيليين اليوم الذين يعيدون بدورهم استنساخ اضطهادهم في الهولوكوست على أنفسهم، بين السود والبيض والأشكيناز والسفرديم، وهذا ما وصل إليه الباحث مارسيلو سفيرسكي.
الاثنين 2016/05/23
دولة الفصل العنصري

يؤكّد مارسيلو سفيرسكي في كتابه “كتاب ما بعد إسرائيل: نحو تحول ثقافي” على أنّه ليس هناك حل سياسي مطروح في الوقت الراهن يمكنه أن يوفر الماهية الثقافية اللازمة لإحداث تحول في أساليب بقاء دولة إسرائيل وسبُل الحياة فيها.

يُناقش سفيرسكي، المحاضر في الدراسات الدولية في مدرسة الإنسانيات والبحث الاجتماعي في جامعة وُلونغونغ منذ عام 2012، على نحو مثير للجدل، فكرة أن المشروع السياسي الصهيوني غير قابل للإصلاح، أي أنه الوحيد الذي يؤثّر سلباً على حياة المستفيدين منه كما على ضحاياه أيضاً. في المقابل يهدف الكتاب إلى إحداث موقف معاكس، يسمح لليهود الإسرائيليين باكتشاف الآلية التي تمكنهم من تجريد أنفسهم من الهويات الصهيونية وذلك من خلال الانخراط بالأفكار والممارسات والمؤسسات المنشقّة عن تلك الهويات. أخيراً إن إنتاج المعدّات والتكنولوجيا العسكرية التي تُساعد إسرائيل على السيطرة على حياة الفلسطينيين، بسياسات الفصل وقوانينه والمساحات المخصصة لليهود وللفلسطينيين، ترتبط جميعا بإنتاج ذوات الصهيونية وأنماط وجودها. إن التغلُّب على أنماط الوجود هذه هو “ما بعد إسرائيل”.

ينطلق سفيرسكي من رؤية محددة حيث يقول “نحن نبدأ بحقيقة مزعجة: في أغلب الأحوال، المعرفة الكاشفة عن مظالم ماضية وحالية لا تُطلق استجابات غير مبهمة في وجه أوصاف تُفسّر كيف يؤثر الاضطهاد على حياة حقيقية لشعب، قد يتوقّع البعض صدمة وتغييراً في مدارك حالية عن مجتمع. مع هذا، وعلى نحو عام، يواجه الإنسان خيبة أمل وأكثر من هذا، حين تكون قصصنا الخاصة كجناة في متناول اليد. في حالة القصص الأجنبية، يكون من ضمن إمكانياتنا تطوير بعض التعاطف نحو المتضرّرين، وكضحايا، نكون نافرين من التخلّي عن فكرتنا المستحوذة علينا مع رواية محننا الماضية، التي تصبح في النهاية أدوات لجنون الاضطهاد والعظمة والارتياب. مع أخذ كل الأمور بعين الاعتبار، يفضّل المجتمع أن يمرّر أخطاءه دون أن تُلاحَظ، دون أن يُسمَع عنها. وفي أفضل الأحوال، هذه الأوصاف تندمج فقط لترفض كمجرد حكايات، حبكت لتخدم الفكرة الأيديولوجية الخطأ”.

ويرى مارسيلو سفيرسكي في كتابه الصادر عن منشورات المتوسط بترجمة سمير عزت نصار ومراجعته حسام موصللي أن “الاضطهاد في إسرائيل، ماضياً وحاضراً، حالة وثيقة الصلة بالموضوع. انظر إلى صناعة المعرفة الأكاديمية الأساسية الحديثة التي تعلمنا عن الطرق التي يُلَّون بها، ويبقى الامتياز اليهودي في إسرائيل عبر التفكك الإثني والعرقي للحياة الطريقة التي جُرّد بها الشعب الفلسطيني من حقّه في أن تكون له حقوق، خصوصاً بعد عنف سنة 1948 الذي كون، وأدى إلى دستور دولة إسرائيل. مع هذا، وبالرغم من كل الدلائل الأرشيفية المجرّمة التي تحتوي على الدلائل الإحصائية والفهم الجديد لعلاقات القوة، لا يستطيع الإنسان سوى أن يستغرب كيف تتمكّن عقول مرتكبي الجرم أن تستوعب كل معلومة تفصل اشتراكهم في إنتاج الاضطهاد”.

العنصرية وهشاشة المجتمع تمهدان لتحول وجودي جذري

ويشير الكاتب إلى أن كل التاريخ الدموي الذي أسس لإسرائيل “لا يسبب أي إزعاج في قلوب الإسرائيليين”. فهم لم يروا الكارثة على نحو الترتيب الحقيقي لها بداية بالاستعمار الكولونيالي لفلسطين، نكبة 1948 واحتلال الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية منذ 1967، ولا الإقصاء المثابر والبنيوي لمواطني إسرائيل الفلسطينيين. وكما لاحظت أريئيلا أزولاي مؤخراً، تدرّب الإسرائيليون اليهود من قبل النظام على ألا يحددوا هوية الكارثة، أي ألا “يدركوا هم أنفسهم بأنهم أولئك الذين ارتكبوا كارثة كهذه أو أنهم مسؤولون عن نتائجها”، “ولا أقل من هذا بأن يتعرّفوا على الكارثة بأنها خاصة بهم، مع أنها الكارثة التي تفسّر امتيازهم”.

ويقر سفيرسكي بأن المجتمع الإسرائيلي اليهودي قد لقّح نفسه بنجاح ضد التفكير الأخلاقي والسياسي، وهكذا، ولأن وجود هذا الاضطهاد مدين إلى أفعال إسرائيل من الاضطهاد على الأرض، فإن صناعة المعرفة عن الاضطهاد الإسرائيلي تدور وتدوم دون أن تثير اهتماما أخلاقيا.

هذا اللقاح ضد التفكير القيمي والأخلاقي والإنساني أصبح نموذجا ذهنيا كاملا يطبع الإسرائيليين، ومن خلال حديثه عن الحياة اليومية التي تشكل “الروح والمادة”، لممارسة أعمال الاضطهاد اليومية، لخص سفيرسكي الطابع العنفي الرمزي للإسرائيليين في أربع نقاط هي “المنتزه، المدرس، الوالد، الناخب”، منطلقا في دراستهم من البوابة السوسيولوجية لعملية الإخضاع، أي “نوع الرعية التي تدرّبوا على أن يصبحوا عليها”. كما ينقد سفيرسكي في كتابه، ذاكرة الهولوكوست التي يستند إليها المجتمع الإسرائيلي، في تبرير العنف الممارس ضد المجتمع الفلسطيني، مدعما حديثه بالاستعانة برفض المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد فكرة “أن الهولوكوست يقدّم عذرا للصهيونية لما فعلته بالفلسطينيين”.

توجد في داخل المجتمع الإسرائيلي الذي تأسس حديثا وبشكل حربي نسخ أخرى من “المظلمة” التي يروي التاريخ أن اليهود تعرضوا لها مع الألمان النازيين، والنسخ تلك تتمثل في العنصرية الشديدة المسلطة ضد اليهود الأثيوبيين والسود بشكل عام، وأيضا أشكال “الغيتو” التي يعيش عليها اليهود في أوروبا وفي بعض المدن العربية والموجودة في إسرائيل ذاتها التي تعتبر “وطنا” لليهود وبالتالي لا داعي لإقامة تلك الأشكال في التجمع والانغلاق على الذات.

ويقول سفيرسكي في هذا السياق “من المعترف به على نطاق واسع بأن الصهاينة البيض أظهروا مواهبهم الاضطهادية، ليس فقط ضد غيرهم الخارجيين، بل ضد غيرهم الداخليين أيضا، إذ لم تخلق الصهيونية ضحايا خارجيين فقط، بل ضحايا يهود أيضا، اليهود الشرقيين”.

يؤكد الكاتب أن مؤسسات التنشئة الاجتماعية في إسرائيل ترتكز إلى صناعة شخصية مغلقة تماما ولا تقبل أي انفتاح حتى على اليهود ذوي الاختلاف في ما بينهم داخل الرقعة الجغرافية الواحدة التي تسمى إسرائيل اليوم. وهذا ما أكدته رونيت لينتين المحاضرة في علم الاجتماع بكلية دبلن بأيرلندا التي رأت أن تحليل سفيرسكي لطبيعة الإسرائيليين سوف يفرض في وقت من الأوقات تحولات ثقافية عميقة في رؤية هذا المجتمع لنفسه وللآخر، تلك التحولات سوف تقطع مع طريقة وجود الإسرائيليين اليوم وتفتح الباب أمام طريقة أخرى لذلك، وهو المفتاح للدخول في نظرية “ما بعد إسرائيل”. وتضيف لينتين قائلة “يبدو النص المثير للجدل لمارسيلو سفيرسكي، على الصعيد النظري، متطورا ومتاحا في آن معا. ما بعد إسرائيل هو تحليل أصيل مكتوب بصياغة جميلة وممتعة للوحدة السياسية التي تُدعى إسرائيل، وكيف أنه من الممكن تجاوزها من خلال التحول الثقافي”.

رونيت لينتين: يمكن تجاوز الكيان الذي اسمه إسرائيل من خلال مقاربة التحول الثقافي

ويضيف سفيرسكي متسائلا “من هو الفاعل الإسرائيلي اليهودي لكل هذا؟” ويجيب قائلا إنه من الضروري توضيح “أن مجموعة واحدة أو هوية إسرائيلية موحّدة ليست لها وجود”. فقد أوضح أن كل الدراسات التي أقيمت داخل المنظومة الإسرائيلية تؤكد أن المجتمع لا يحمل في داخله ذلك المقوم الواحد الذي يجمع كل الناس على قيمة باطنية تسمى الوطن، فالكثير من المتدينين يحسون أنهم مختلفون عن العلمانيين وغير المتدينين، والكثير من البيض يحسون أنهم متميزون عن السود رغم أن الديانة واحدة بينهم وهي المبرر الأول على إنشاء “وطن لليهود” يسمى إسرائيل.

هكذا، قد لا تتميّز المجتمعات اليهودية في إسرائيل بهويّاتها وتقاليدها المحتفى بها فقط، بل أيضا، وعلى نحو أكثر أهمية، فإنها دائما في مؤخرة التراتبية التاريخية للثروة والتهميش. ومع هذا، لم تنته الهيمنة اليهودية البيضاء قطّ على المستوى المادي، فبقصد تاريخي كامل وواع طالبت الصهيونية البيضاء دائما بإذعان أيديولوجي وتنظيمي كاملَ منذ اللحظة التي أسّست نفسها كمشروع استعماري كولونيالي في فلسطين. ويحلل الكاتب ما ذهب إليه في فكرة هشاشة المجتمع الإسرائيلي وبنيته الضعيفة، بالقول إنه كان الحالة في ما يتعلّق باليهود السفارديم الذين ظلّوا يعيشون في فلسطين حالة عادية، إلى الحين الذي أطلق فيه الصهاينة الأوروبيون مشروعهم الكولونيالي، إضافة إلى ما يتعلق بالمجتمعات اليهودية المهاجرة التي وصلت إلى إسرائيل من البلدان المسلمة، بأعداد كبيرة في أثناء خمسينات وستينات القرن العشرين جراء الدعاية المكثفة ليهودية الدولة.

العودة إلى تاريخ نشأة المجموعة الإسرائيلية تكشف بشكل من الأشكال عن الخطأ التاريخي الذي بنيت عليه هذه “الدولة” وهي أنها دينية بالأساس. ولا يمكن حسب تاريخ تطور المجتمعات في العالم أن تتمكن أي مجموعة بشرية من تأسيس جهاز الدولة الذي ينظم حياتها وعلاقات أفرادها على نظرية دينية تيوقراطية أزلية، فهذا الأمر ينسحب بدوره على دول دينية أخرى زالت مع مرور التاريخ وتطوره. ولم يخف عدد من الكتاب إعجابهم بهذه الفكرة التي طرحها مارسيلو سفيرسكي، إذ تحتفي أريئيلا أزولاي، مؤلّفة كتاب “من فلسطين إلى إسرائيل” بجرأة الطرح الموجود في هذا الكتاب قائلة “ما بعد إسرائيل كتاب علماني، إنه يرفض القبول بالصهيونية باعتبارها عقيدة دينية؛ وبدلا من ذلك يجرؤ هذا الكتاب الممتاز على قراءة الصهيونية على أنّها حلقة في تاريخ فلسطين لشعبين يعيشان فيها. هذا ليس بنبوءة ولا نهاية للعالم، إنه تحليل سياسي وثقافي جريء للعمليات التي تقوض النظام الإسرائيلي الحالي والتي هي قيد العمل في يومنا هذا”.

ويوضح سفيرسكي أنه “من أيام هجرة الصهاينة الأوروبيين المبكّرة إلى فلسطين في بداية القرن العشرين حتى الوقت الحالي، تطوّرت الصهيونية باستمرار بهندسة ونشر كل أنواع أجهزة العزل؛ وعلى نحو أبرز، رسمت هذه الأجهزة خطوطَ تقسيم عِرْقي قومي بين اليهود والفلسطينيين وخطوطاً عنصرية طبقية بين الأشكناز والمزراحيم”.

ونتيجة لهذا، أُزيل طموح حياة يشترك فيها اليهود والفلسطينيون، وأزيلت معه إمكانية وجود مجتمع مجرد من العسكرية، ومن المستحيل بذلك رؤية العنصر والجنس ضمن المجتمع الإسرائيلي اليهودي. كل هذا جعل من إمكانية وجود إسرائيل في المستقبل أمرا صعبا للغاية، نظرا لعدم وجود سعة للتفكير النقدي والعاطفة نحو الديمقراطية الحقيقية والاستعداد للمشاركة بتاريخ ما في العالم وعدم القدرة على الفهم الإنساني.

6