دفن فرانز فانون على الطريقة الجزائرية

في زيارة لي لضريح فرانز فانون وجدت أنه قد دفن في مقبرة صغيرة جدا وفي قرية لا ترى إلا بالمجهر، واستغربت لماذا لم ينقل جثمانه إلى مقبرة العالية أسوة بشخصيات نضالية كبيرة في تاريخ الجزائر المعاصر.
الجمعة 2018/08/10
الدفن الثالث لفرانز فانون

لماذا يدفن كل ما هو جميل في حياتنا بدءا من تاريخنا القديم بكل مراحله وأنواعه، ولا يعرف عن بعضه القليل إلا كمشة من المتخصصين في نفض غبار الوثائق والأحداث التاريخية، ولماذا يأكل الغبار تراث حركة التحرر الوطني، وما صنعته بنا الأقدار في مرحلة الاستقلال اليائس.

عادة يدفن الإنسان مرة واحدة، أما عندما ينقل جثمانه من مكان إلى آخر فإن وسائل الإعلام تخبر الناس أن مثل هذه العملية قد فرضتها الظروف كما حصل، مثلا، عندما تمَ نقل رفات الأديب والأمير عبدالقادر الجزائري من دمشق إلى مقبرة العالية، التي أصبحت جزءا من ممتلكات النظام الجزائري.

وفي هذا السياق أريد التحدث عن الطريقة الغريبة التي دفن بها فرانز فانون، المفكر المارتنيكي الأصل، والجزائري نضالا تحرريا مشرَفا، بعد وفاته في أحد مستشفيات الولايات المتحدة الأميركية في عام 1961 جرَاء مرض اللوكيمياء وهو في عزّ شبابه، حيث لم يكن يتجاوز 36 عاما.

تفيد الوقائع أن جثمان فانون قد نقل من أميركا إلى تونس ومن تونس إلى منطقة الطارف الجزائرية، وهناك تمت مراسيم الدفن على أيدي العقيد الشاذلي بن جديد الذي أصبح بعد سنوات من ذلك الحدث رئيسا للجمهورية الجزائرية، علما أن الشاذلي لم يخصص لهذا المفكر سوى شذرة يتيمة في الجزء الأول من مذكراته التي نشرت بعد إزاحته من الرئاسة ثمَ وفاته بعد ذلك بسنوات قليلة.

في زيارة لي لضريح فرانز فانون وجدت أنه قد دفن في مقبرة صغيرة جدا وفي قرية لا ترى إلا بالمجهر، واستغربت لماذا لم ينقل جثمانه إلى مقبرة العالية أسوة بشخصيات نضالية كبيرة في تاريخ الجزائر المعاصر. أمام ضريح فانون تذكرت ما كتبته الدارسة الأميركية أيرين غندزيير في كتابها البارز “فرانز فانون: دراسة نقدية” 1973، حيث قالت إنَ المسؤولين العسكريين الجزائريين وجدوا بين الأوراق التي تركها فانون وصية تنص على أن تدفن كتبه معه فعلا (ولا أحد يدري لماذا رغب فانون في ذلك بقوة).

وبالفعل فقد قام هؤلاء بتنفيذ الوصية. بعد مرور أعوام طويلة على هذا الحدث التقيت بابن فرانز فانون وهو أوليفيه فانون أمام ضريح والده بإحدى قرى محافظة الطارف وعلمت منه في تلك اللحظات بالذات أنه يشتغل في السفارة الجزائرية بباريس بصفة متعاقد مؤقت، ومرّ على وضعه المزري هذا أكثر من عشرين عاما. نظرت إليه بحزن وقلت له إن هذا هو الدفن الثالث لوالدك بعد دفنه هو ثم دفن كتبه معه، ولكن مع الأيام اكتشفت أن الدفن المادي لفانون ثم الدفن الرمزي لكتبه، ثم دفن حظ ابنه في الترقية في العمل قد أعقبه دفن رابع لكتاباته ولشهادات رفاقه في النضال ولكتابات زوجته التي انتحرت في الجزائر وللمؤلفات والدراسات التي كتبت عنه بالآلاف في شتى أصقاع المعمورة.

15