دقت طبول الحرب

السبت 2015/03/21

كلما مضت الإدارة الأميركية في مفاوضاتها النووية مع إيران، اقتربت المنطقة من حفرة الحرب، عكس التصور السائد الذي يقول إن الاتفاق الأميركي الإيراني فاتحة استقرار طويل.

قبيل تولي باراك أوباما مقاليد رئاسته الأولى، أجرى معي الزميل العزيز إيلي الحاج لقاء في صحيفة إيلاف الإلكترونية، قلت للحاج إنني أشعر بالقلق، فأوساط المرشح الرئاسي، الأوفر حظا، لا تنبئ بخير، فالعقول المحيطة بأوباما ترى الإرهاب سنيا، وترى البنادق الشيعية صديقة للغرب (وهذه متوهمة تماما)، ومن هذا المنظور ستحاول أميركا الأوبامية استيعاب الإسلام السياسي السني، وإن سقط هذا الخيار فواشنطن ستوجه قبلتها إلى الإسلاموية الشيعية.

وكأن تلك الأسطر، التي اعتمدت على المعلومات لا التحليل، لخصت ما جرى وما يجري، يممت الولايات المتحدة وجهها إلى الإخوان المسلمين، وبعد سقوطهم في ثورة 30 يونيو المصرية رمت بثقلها كله إلى إيران.

الحسابات الأميركية منطقية، لكنها غير دقيقة. ترى الإدارة الأميركية أن مصالحها تتلخص في أهداف ثلاثة، أمن إسرائيل، النفط، ومكافحة الإرهاب. راهنت على الإخوان ﻷنها الجماعة الإسلاموية الأم التي تستطيع إدارة الإرهاب وضبطه، ولقدرتها الشعبية على تسويق إسرائيل، كما أن الجماعة لو تمددت سياسيا ستوفر تأمينا نفطيا على الصعيدين الرسمي والشعبي.

من حسن حظنا أن الأداء الإداري والسياسي للإخوان كان مخيبا على الصعيد المصري، فأسقط الشعب الجماعة التي انتخبها مدعوما بجيشه وبدول الاعتدال العربي التي رأت سقوط المنطقة في سقوط الدولة المصرية.

بعد إزاحة الإخوان مصريا، نشطت وتيرة المفاوضات الأميركية الإيرانية، والرهان على إيران له نفس مسببات الرهان الإخواني، فالجمهورية الإسلامية هي مرجعية الإسلام الثوري الذي تنتمي له ميليشيا الإرهاب، وليس هناك أقدر من رأس محور الممانعة لضمان أمن إسرائيل إن لم نقل تسويقها، وامتداد النفوذ الإيراني باتجاه البحر المتوسط يؤمن، قطعا، التدفق النفطي أمنيا وسياسيا.

لهذه الأسباب يرى المتفائلون أن الاتفاق الأميركي الإيراني هو تاج الاستقرار الذي سيجثم على المنطقة لسنوات منظورة. لكن هذه الحسابات ليست دقيقة البتة.

لن تتمكن إيران من تقديم الكثير، فهي الأعجمية في البحر العربي، وهي الشيعية في المحيط السني، وبالتالي فإن عوامل مقاومتها في الداخل العربي أكبر وأهم من عوامل قبولها، يضاف إلى ذلك، بأن القوى الإقليمية التي أسقطت الاتفاق الأميركي الإخواني لن تسكت أبدا على اتفاق أخطر، حتى لو كان الثمن أفدح، خصوصا وأن تلك القوى أثبتت قدرتها وقوتها، حال اتفاقها وتنسيقها، في إغراق فصيل خطورته الانتماء الطبيعي إلى نسيج المنطقة العربية السنية، أي جماعة الإخوان.

إن المفاوضات الأميركية الإيرانية هي المسمار الأخير في مسرح الحرب الجاهز من الأساس، فأسعار البترول مثيرة للتأمل، وفي السعودية قيادة جديدة أكثر تشددا من سابقتها إزاء المشروع الإيراني، وبقية الدول الخليجية ستبذل كل مسعى كي لا يصبح الخليج فارسيا، والأردن كان أول من حذر منذ سنوات من الهلال الشيعي، ومصر، في عهدة جيشها، تعرف موقعها في الاصطفاف خصوصا بعد مؤتمرها الاقتصادي الأخير، وإسرائيل في حيرة عصبية قد ينجم عنها أي رد فعل. يمتاز المعسكر النقيض ﻹيران بإمكانات لا محدودة، ماليا بحكم وفرة النفط، وبشريا بحكم أن عدد السنة في العالم يزيد عن عدد الشيعة 15 مرة على الأقل، ولو قرأنا الامتدادات فإن أعداء إيران، بلا شك، أكثر بمراحل من أصدقائها.

مقدمات الحرب بدأت فعلا في العراق وسوريا واليمن والقليل من لبنان. والأخبار المتواترة تدعو للتدبر، فجماعة النصرة ستنفصل عن تنظيم القاعدة، والأتراك يراجعون الحسابات من أجل “حلف سني عريض” رغم جنون أردوغان، واليمن انتهت إلى دولتين: واحدة ستتضور جوعا رغم طائرات إيران وبواخرها، وأخرى ستنعم بالسلاح وبالمال وبـ”الخبراء”. وكلما طال الزمن ارتفعت الخسائر الإيرانية دون أي سلبيات حقيقية ودائمة على الطرف الآخر.

الإرهاصات واضحة بلا التباس، عرفنا قادة المعركة ومكانها ورأينا عسكرها، لكننا في انتظار الافتتاح الرسمي، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

صحافي سعودي

9