دقيقة واحدة وثوان ست

الخميس 2014/11/13

نحتاج إلى أن نكون أشخاصا لم يعرفوا قلوبَهم حتى لا تبلغ الدموع مآقينا ونحن نتابع ذلك الشريط من دقيقة وست ثوان، لطفل لم يتجاوز الثماني سنوات، وهو يرمي نفسه في مرمى طلقات القناص، لينقذ طفلة تصغره سناً، ربما تكون أخته.

في دقيقة وست ثوان، ذهب الطفل إلى الموت ورجع من الموت، ومعه طفلة كان مقيّضاً لها أن تضرّج بدم طفولتها وتصير جثة هامدة، بين منازل محطمة وعربة محترقة، بينما القناص، الذي أنجز المهمة الموكولة إليه، يريح قناصته على طرف الجدار، ويمسح حبات العرق عن جبينه النذل.

دقيقة، لا تشبهها أية دقيقة من تلك التي اختبرنا فيها بأنفسنا الخطر الأقصى. في أول المقطع يخرج، فجأة، من يمين المشهد رجل مسرع من مبنى مهدم، وتئز في جواره رصاصة، ثم أخرى، لكنه ينجو. ثم نرى في يسار المشهد صبياً مكوّما في الأرض، الكاميرا تمسح المكان ثم تلتقطه، كاميرا مرتجفة، لكنه الآن يتحرك، ثم لا يلبث أن ينهض من موضعه، ويهرع على مسافة 10 أمتار متجها نحو عربة محطمة، سرعان ما نكتشف أن وراء عجلاتها الأمامية لبدت طفلة صغيرة ترتجف كحيوان صغير خائف.

قبل أن يبلغ الصبي منتصف المسافة، نحو الطفلة، تئز رصاصة، فأخرى. يتعثر الصبي ويجاهد، وسط غبار قدميه، وغبار الطلقة. ثم رصاصة ثالثة، ويسقط الصبي. يهتف صوت في الشريط: يا الله.. لكن الصبي الذي لبد قليلا، بلا حركة، موحيا للقناص بأنه أصيب، فجأة يباغتنا وينهض، وتلاحقه الطلقات، حازمة وقاصدة، وهو يجري، لينجو ويتوارى وراء العربة. للحظة، وقبل أن نحدس ما يجري، ينهض الصبي من مكمنه.

لقد بات الآن مكشوفا للقناص، تماماً، وعرضة للقنص، لكن يده تمسك بيد الطفلة التي ستظهر ببلوزتها الوردية، مترددة تسحب يدها إلى الخلف، والصبي يشدها نحوه، يريد أن يهرع بها لاجتياز المسافة، عائدين من حيث أتى. بدت الطفلة أصغر منه، ربما لا يزيد عمرها عن الست سنوات. وقبل أن ينطلق بها سيدوي صوت وتخترق الرصاصة، لكأنها اخترقت، المسافة الضيقة بين الصبي والطفلة. ها هو يهم بالركض بالطفلة وتدوي الرصاصة الثانية، والثالثة، والرابعة.. وعلى طول المسافة إلى أن يتواريا في يسار المشهد وراء حائط، سوف تدوي الطلقات ويكافح القناص، بكل ما يملك من إصرار ليفوز بهما، أو، أقله، بأحدهما. لكن الأمر جرى على نحو مختلف ومدهش كأننا في السينما.

مرة واثنتين وثلاثاً رأيت هذا الشريط بأنفاس محبوسة وروح واجفة. والآن لم يعد سؤالي، أي شجاعة هذه وأي شهامة، أي نكران مذهل للذات هذا الذي أزهر في طفل صغير ليصير في دقيقة وست ثوان، رجلا كامل الرجولة، ومن ثم بطلا يناور الطلقات لينجو بحياته وحياة طفلة كانت قد اختبأت بين عجلات عربة محطمة، وراحت بندقية القناص تنتظر ظهورها، لترديها قتيلة.

لا، لم يكن هذا سؤالي، ولكن أي روح مترعة بعتمة الموت سكنت ذلك الكائن المجهول الذي احتجب في بناء وراء فوهة الموت، وراح قناصته يترقبون الضحية مطاردة بروح شيطانية روح الصبي، قبل جسده، ومن ثم بالطلقات.

عزم وتركيز مثابرين بذلهما القناص، بلا كلل، ليفوز بلحم الصبي الذي راح يشد الطفلة نحوه لينجو بها، بينما الطلقات تخترق هواء مرورهما الخاطف وتئزّ مخفقة في إصابتهما.

دقيقة وست ثوان استغرقها المشهد. والآن يخيل إليّ أن 20 صفحة، 60 صفحة، مائة وست صفحات في كتاب سوف لن تكون كافية لوصف وقائع هذه البرهة الزمنية التي مددتها إلى دهر وقائع ما جرى، وكيف جرى، ثم تترائى في خيالك وخيالي شتى الدلالات تنوء بها كل ثانية مما عرضه المقطع المصور.

عما يجب أن أتحدث هنا؟ أعن تلك الروح البطولية التي ولدت في جيل من الأطفال السوريين الذين شهدوا نشوب الثورة، والحرب ومآسيها، وتحولوا خلال سنوات أربع دهرية إلى أشخاص يكبرون أعمارهم الغضة، ويخوضون معترك المصائر على أرض التراجيديا، أم عن الصور القصوى للهشيم الأخلاقي وبربرية الإنسان وقد تشقق صندوق باندورا السوري عن شتى الفظاعات، وأطلّت معها من كهوف التاريخ مسوخ من البشر الذين فقدوا كل كرامة، أو ضمير، أو صفة من صفات الإنسان؟ هؤلاء هم مسوخ الطاغية وشبيحته الذين جرت تربيتهم على مدار نصف قرن من جنون الاستبداد، وديدنهم احتقار الحياة، والاستهزاء بالكرامة الإنسانية، وعبادة الطغيان. دقيقة واحدة وست ثوان تصلح أن تكون درساً فريدا تنحني له قامة الإنسانية.


شاعر سوري

9