دكاكين الرقية تزاحم عيادات الأطباء في الجزائر

الخميس 2015/04/16
أبومسلم بلحمر يزعم تخصصه في محاربة العفاريت وطرد الجن

تحول أمر “الرقية” في الجزائر، إلى طب بديل ينافس الطب العادي، وظهر في الواجهة رقاة لا يملكون في رصيدهم إلا شهادة الميلاد، لكن شهرتهم تعدت شهرة أطباء أفنوا شبابهم في الجامعات والمعاهد المحلية والأجنبية، وصارت عيادات الرقية تزاحم العيادات الطبية، والأمر لم يعد يقتصر على الطبقات الدنيا من المجتمع للظروف الاجتماعية والثقافية المتواضعة، بل تعداه إلى ما يعرف بالبورجوازية والطبقات الراقية.

لبس نشطاء الشعوذة الكلاسيكية رداء الرقية لإقناع الناس بممارساتهم وطلاسمهم، فأمام تراجع إيمان المرتادين بالأساليب القديمة التي بددها الوازع الديني والمستوى الاجتماعي والثقافي للجزائريين، لجأ هؤلاء لتغيير مناهجهم وركبوا صهوة الدين والشرعية، ولم يعد أي حي أو قرية يخلو من راق أو راقية، ظاهرهما الاستناد إلى القرآن والسنة لعلاج مرضاهم، وباطنهما ممارسات لا تمت للدين ولا للعقل بصلة، فكم من اغتصاب وابتزاز وتسممات وأمراض وحتى وفاة وقعت في تلك العيادات.

ورافق الانتشار الكبير لظاهرة الرقاة، توسع دائرة صيدليات الطب البديل، لبيع مختلف الأعشاب والخلطات، دون أي مراقبة أو ترخيص، وصار نشاطها ينافس بحق نشاط الصيدليات العادية، مستفيدة في ذلك من غلاء سعر الأدوية، وتوجيهات الرقاة لاستهلاك مبيعاتهم، المستقدمة من مختلف الأقطار والأمصار.

وكما يتطلب أمر إجراء فحص لدى طبيب مختص على موعد، فإن عيادات الرقية صارت هي الأخرى تستقبل زوارها بمواعيد مسبقة تأخذ أياما من قبل، وربما تستدعي تنقلا ونفقات سفر ومبيت، وقد ينصح الراقي مريضه بتكرار الزيارة لعدة مرات، فتكلف صاحبها كما يكلفه التردد على طبيب، فقد يحدث أن يكون “الجن الذي ضربه أو العين التي أصابته أو السحر الذي تناوله معقدا ولن يتم الاكتفاء بحصة واحدة”.

ما زال الراقي أبومسلم بلحمر يثير المزيد من الجدل في مختلف الأوساط الشعبية والدينية في الجزائر

ولن يحدث أن تصادف راقيا فقيرا، لأن المهنة تدر على أصحابها أموالا طائلة، تضاهي الثروات التي يحصلها نشاطون آخرون في مهن أخرى، وإذا كان الكل واقع تحت وصاية جهة إدارية وملتزم أمام شركاء آخرين من ضرائب وضمان اجتماعي وعمالة.. وغيرها، فإن للرقاة كامل الحرية، فلا ضرائب ولا التزامات ولا رقابة ولا أي شيء.

وللرقاة في الجزائر زبائن من كل جهات البلاد وطبقات المجتمع ومن الجنسين، ولم يعد الأمر يقتصر على الفقراء ومنتسبي الفئات الكادحة، بل صارت عياداتهم تستقطب أثرياء ورجال أعمال وكوادر من مؤسسات الدولة وحتى من الطبقة المثقفة والأساتذة ورجال الإعلام.. وغيرهم.

وما زال الراقي أبومسلم بلحمر يثير المزيد من الجدل في مختلف الأوساط الشعبية والدينية في الجزائر، حول مزاعمه بمحاربة العفاريت وتخصصه في مسائل غيبية كالجن والسحر والعين، فبين مصدق ومروج للرجل ومدافع عنه كراق شرعي، يستمد كفاءته من الموروث الديني، وبين مشكك في كونه مجرد مشعوذ، استطاع أن يصنع لنفسه شهرة تعدت ربوع البلاد لتمتد إلى عدد من الدول العربية.

ورغم امتثال بلحمر و11 شخصا: منهم قابلات، ومراقبان طبيان، وطبيبة مختصة في البيولوجيا، وعدد من أعضاء جمعية “بشائر الشفاء” من مستشفى محمد بوضياف بغليزان (300 كلم غربي العاصمة)، أمام وكيل الجمهورية لدى محكمة غليزان، للنظر في قضية الشابة موساوي هالة العارم (19 سنة) التي توفيت مؤخرا بعيادته في ظروف غامضة، فإن عشرات المحامين تطوعوا للدفاع عنه، كما نزل أنصاره بقوة لحضور جلسة المحاكمة.

وفيما وجهت لبلحمر ورفاقه تهم القتل الخطأ والمشاركة فيه، وممارسة نشاط طبي دون ترخيص ومخالفة القرار الولائي الذي ينص على حظر نشاط الجمعية. فإن الرجل خرج على طريقة “الزعماء” في موكب كبير لأنصاره، بعدما برأه القضاء من تهمة القتل.

لم يعد أي حي أو قرية يخلو من راق أو راقية، ظاهرهما الاستناد إلى القرآن والسنة، وباطنهما ممارسات لا تمت للدين بصلة

ورغم قرار والي محافظة غليزان للمرة الثانية بحل جمعية بشائر الشفاء التي أسسها منذ سنوات الراقي أبومسلم بلحمر، لعلاج الأمراض الروحية كالعين والسحر والجن، إلا أن بلحمر صار مدعوما وصاحب نفوذ وحضور لافت في بعض وسائل الإعلام، خاصة أمام زعمه بأنه عالج شخصيات مرموقة في الدولة، ورافق المنتخب الجزائري لكرة القدم في العامين 2009 و2010، لأدغال أفريقيا من أجل “إبطال مفعول القري قري الأفريقي” في رحلة كسب تأشيرتي المرور لـ”كان” أنغولا ومونديال جنوب أفريقيا.

وفيما عبر بعض سكان الولاية عن ارتياحهم لقرار والي الولاية، لأنه يعتبر السماح للجمعية بالنشاط هو دعم مباشر للشعوذة وللعب بعقول الناس في عصر بلغ فيه الطب والتكنولوجيا حدودا كبيرة من التطور، وسكوت على مخالفة قوانين الجمهورية.

استقبلت الجمعية القرار باستياء كبير، واعتبره بلحمر “خطوة غير مفهومة”، لأنه جاء بعد حصول الجمعية على قرار من المحكمة الإدارية بغليزان، أبطل قرار والي غليزان السابق بتوقيف نشاطها. واستطاع بلحمر أن يستقطب أعدادا غفيرة من الزوار و”المرضى”، وتحول بمرور الوقت إلى نجم الفضائيات ووسائل الإعلام”.

وكعادة رواد الشعوذة الذين لم يعترف أي واحد منهم، بأنه يمارسها وينبذها وينتقدها وينتقد روادها، فإن بلحمر يجزم في مختلف تصريحاته بأنه راق شرعي، ويستند في شرعنة عمله لنصوص القرآن والسنة النبوية، ويتبرأ من فعل الشعوذة والمشعوذين، في حين اعتبرت “جمعية علماء المسلمين الجزائريين” (مستقلة) عمله من “صميم الدجل والشعوذة والخرافات التي حاربتها الجمعية في إطار مشروعها الإصلاحي للمجتمع، منذ نشأتها في أوائل القرن الماضي إبان حقبة الاستعمار الفرنسي على يد المصلح عبدالحميد بن باديس”.

21