"دكانة البلد" فتحت أبوابها للبنانيين لفضح الفساد

الثلاثاء 2014/06/10
جمعية "سكر الدكانة"هدفها تسليط الضوء على الفساد في لبنان

بيروت- انطلقت الشهر الماضي في شارع الجميزة بالعاصمة اللبنانية بيروت حملة تحت عنوان “دكانة البلد” استعرض خلالها البنانيون استفحال ظاهرة الفساد في بلادهم بطريقة نقدية لاذعة.

لافتات كتب عليها “كل شيء للبيع حتى حقك”، “اشتر شهادة البروفيه” (شهادة إتمام الصف التاسع)، و”احصل على الباكالوريا مجانا” (شهادة التخرج من الجامعة) وغيرها توجد في مقر جمعية “سكر الدكانة” (أي أغلق المحل) في منطقة الأشرفية شرقي بيروت، حيث شكّلت هذه اللافتات مقاربة نقدية ساخرة لمكافحة الفساد المستشري في الإدارات العامة بلبنان، والذي أصبح جزءا من “عادات وتقاليد” هذا البلد الصغير.

الجمعية، التي أطلقت حملة “دكانة البلد” في شارع الجميزة المعروف ببيوته القديمة والذي تحول إلى نقطة جذب للسهر، بسبب انتشار المطاعم والنوادي الليلية، حصدت خلال الأسبوعين الأولين من نشاطها أكثر من 600 تبليغ عن حالات دفع رشاوى في الإدارات العامة بلغت قيمة أكبرها 45 ألف دولار أميركي، منها 41 بالمئة في وزارة الداخلية، واللافت في ذلك أن “الرشاوى الأكبر دفعت في السلك القضائي”.

ملصقات الحملة على جدران شارع الجميزة ببيروت

و”الدكانة” هو اسم يطلقه اللبنانيون أساسا على محال السمانة (البقالة) المتواجدة خاصة في الأحياء الشعبية والقرى، واختارته الجمعية للدلالة على تحول ظاهرة الفساد إلى أمر عادي في الثقافة الشعبية اللبنانية. تسلط هذه “الدكانة” الضوء على هذه الظاهرة، التي يتورط فيها البعض كأقصر الطرق لإنجاز المعاملات.

أما البضاعة فهي بالتأكيد غير تلك التي نجدها في دكانة البقالة، فهي بضاعة غير مألوفة: رخصة سياقة بسعر مميز، من دون حاجة إلى امتحان، شهادة بريفيه إن كنت رسبت في الامتحان، إفادة عمل لمن لا يعمل، وهوية جديدة لمن يريد التخفي. وعلاوة على ذلك، يوجد في إحدى الزوايا قسم خاص بالتعيينات والوظائف “حسب الطائفة”، ولكل وظيفة “تسعيرة”.

افتتحت جمعية “سكّر (أغلق) الدكانة”، وهي منظمة غير حكومية هـدفها جمع البيانات المتصلة بالفساد في المؤسَّسات الرسمية من أجل بناء علاقة نزيهة بين المـواطن والدولـة، “الدكـانة” للمرة الأولى الشهر الماضي في “شارع الجميزة” لمدة ثلاثة أيام تم خلالها عرض فيلم قصير يلخص حــالات الفساد في لبنان وأشكاله قبل أن تنتقل إلى مكان ثان في شارع المونو القريب، وهو مقر الجمعية نفسه، على أن تنتقل لاحـقا إلى مناطق أخرى.

ولفت رئيس الجمعية، عبدو مدلج، إلى أن ثمة “تجاوبا كبيرا” مع الحملة من قبل المواطنين، خصوصا وأنه تم التبليغ منذ انطلاقها عن نحو “609 حالات” فساد إداري في المؤسسات العامة، مشددا على أن الفساد ليس مقتصرا على “الرشوة”، بل “يهدم” الإدارات والمرافق العامة.

وقال مدلج إن “الهدف من هذه الحملة هو تشجيع الناس على التبليغ عن حالات الفساد ودفع الرشاوى عبر أربع وسائل: تطبيق خاص على الهواتف النقالة، الموقع الإلكتروني للجمعية، سيارة تنقل ملفّات الفساد من المواطنين إلى أمام المؤسسات الحكومية، وأخيرا عبر الهاتف من خلال خط ساخن. وأوضح أن الهدف من ذلك هو “معالجة الآلية المتبعة في إنجاز المعاملات الادارية”، مضيفا أن “الجمعية تتعامل مع البلاغات بشكل جماعي وليس فرديا”.

وأشار إلى أن “الجمعية تقوم كذلك بتحديد الإدارات التي تواجه أكبر عدد من التبليغات، لاستعمالها لاحقا للضغط على الإدارة، ومن ثم تقديم الحل من قبل الجمعية على أمل “الحد من الفساد المستشري”.

وكشف مدلج أنه بلغة الأرقام، فإن الشكاوى الـ 609 تساوي نحو “671 مليون ليرة لبنانية (حوالي 450 ألف دولار) دفعت كرشاوى، أكبرها وصلت إلى 45 ألف دولار”، مشيرا إلى أن وزارة الداخلية اللبنانية حصدت أعلى نسبة من مجمل عدد الشكاوى والتي بلغت “41 بالمئة دفعت فيها أكثر من 55 مليون ليرة لبنانية (نحو 36 ألف دولار أميركي) كرشاوى”.

طريقة جديدة لـ “فضح” المؤسسات “الأكثر فسادا”

وقال مدلج “على الرغم من أن القضاء اللبناني نال نسبة متدينة من الشكاوى بواقع 6 بالمئة، إلا أن تلك الشكاوى كانت “الأعلى قيمة، حيث دفع في هذا القطاع 265 مليون ليرة (نحو 180 ألف دولار) كرشاوى”.

وأشار إلى أن الجمعية تفتح المجال على موقعها الإلكتروني أمام المواطنين لـ”الإبلاغ” عما يواجهونه في المؤسسات الرسمية والوزارات من حالات رشاوى وفساد، مؤكدا أن “بنك المعلومات” في الموقع “حصين جدا” ويؤمن “الحماية” لمن يقدم الشكاوى.

وابتكرت الحملة طريقة جديدة لـ “فضح” المؤسسات “الأكثر فسادا” من خلال تخصيص سيارة تحمل اسم الحملة “سكّر الدكانة”، وعندما تحدد الحملة المؤسسة الرسمية التي احتلت “المرتبة الأولـى” من حيث عدد شكاوى الفساد التي طالتها، “يتم إيقاف السيارة أمام مبنى هذه الـوزارة كإشارة إلى الفساد الكــبير فيها”، حسب مدلج.

ولم يتسن على الفور، الحصول على تعليق من الحكومة اللبنانية على هذا الأمر.

يذكر أن مجلس النواب اللبناني أقر في أواخر العام 2008 اتفاقية الانضمام إلى الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وتُعد هذه الاتفاقية الأكثر شمولا وقوة في مكافحة الفساد على نطاق عالمي. والاتفاقية، التي صادقت عليها 165 دولة منذ إقرارها في ديسمبر من العام 2005 وحتى يناير 2013، تلزم الدول بتنفيذ مجموعة واسعة ومفصلة من تدابير مكافحة الفساد.

20