دلال الجارودي تمنح البشر مرونة أوراق الشجر

الخميس 2015/02/26
أوراق الشجر عند الجارودي رديف لنعومة الأنثى وليونتها

القطيف (السعودية)- رغم الحريق الذي التهم مرسمها في شقتها الكائنة بقرية التوبي شرق السعودية، قبل موعد افتتاح معرضها الشخصي الأول في قاعة فنون القطيف بشهر واحد فقط، أصرّت التشكيلية السعودية دلال الجارودي على ألّا تمهل تجربة “أوراق” أكثر من موعدها الذي تقرر في منتصف يناير 2015.

حاولت دلال الجارودي أن تخبئ ملامح الحريق الذي التهم مرسمها مؤخرا عن بقية أجساد لوحاتها الناجية في معرضها المعنون بـ”أوراق”، غير أن بعضها بقي يشهر ذاكرة احتراق الأوراق التي لم يشأ لها القدر رؤية المتلقي في صورة مفاهيمية عفوية، لم تقصدها الفنانة بالطبع.

المتلقي الذي يعرف، أو لا يعرف، الحكاية لاحظ آثار ذلك الدمار في بعض الأعمال. وعن هذه الحادثة تتحدث الجارودي إلى صحيفة “العرب” قائلة: الحريق جاء في توقيت صعب، ليس على مستوى تلف بعض الأعمال بقدر ما كان له تأثيره النفسي على المزاج العام، ولكن هناك فاصلا لا بدّ من الوقوف أمامه واتخاذ القرار في شأنه، كان قراري هو التحدّي الحقيقي، في ألاّ يكون هذا الحادث إلاّ حافزا على الزيادة في العمل والإصرار عليه، وهذا ما حدث فعلا.

وعن تجربة “أوراق” تقول الجارودي: قد يظن البعض أن “أوراق” مجرّد ذاكرة لورقة، ولكلمة، كالشعر مثلا، ولكنها تجربة تتجاوز حدود الورق والكلمات، إنها أشبه بحالة استرجاع لذاكرة الحياة كحالة من التفكر والتأمل، سواء على مستوى الماضي أو الحاضر والمستقبل.

الجارودي تميل في تجربتها إلى استحضار جسد المرأة بصورة مموهة تأخذ شكل الرحيل والغروب

وتضيف التشكيلية السعودية: أوراق هي إعادة هيكلة المزاج المرتبك في حياتنا، إنها إعادة بناء الذات من خلال شيء بسيط (ورقة شجر)، لكنها تحمل في طياتها دلالات الحياة وتكوينها.

قدمت الجارودي تجربتها من خلال 77 لوحة تفاوتت هندسة سطوحها بين المساحات الكلاسيكية المربعة والمستطيلة، وبين المساحات الحرة التي أخذت شكل أوراق شجر امتدت عليها الكتل اللونية بمهارة.

وعن هذا التنوع تعلق الجارودي: لا أتعمد الاستعراض بقدر البحث عن مكونات وحلول تتناسب مع التجربة وأبعادها، لذلك كلما أبحرت في التجربة اكتشفت الكثير من الحلول لتوصيل ماهية البحث، وأعتبر هذه التجربة بداية أردت من خلالها وعبر تفاعل الجمهور معها، أن أكتشف نفسي أكثر، إنهم مكملون لي، إنهم أنا.

تميل الجارودي في تجربتها إلى استحضار جسد المرأة بصورة مموهة تأخذ شكل الرحيل والغروب، لكنها مع ذلك ظلت تعمل على عدم إغلاق باب التأويل ناحية الأمل في تفاصيل لوحاتها، فنجدها رغم سقوط أوراق أشجارها على أرض الغاليري تحاول أن تبعثها من جديد عبر ظلالها، أو من خلال قيامها، وكأنها تستشرف المستقبل بصورة مضيئة على عكس عتمة الواقع وانكساراته.

حوارية لونية شعرية تفاعلية بين الشعر والتشكيل

وفي سؤال للجارودي إن كانت قد حضرت المرأة في لوحاتها منكسرة خائفة تنزح للتجمعات النسوية كي تستقوي بها، أم أنها كانت منفردة غير مبالية أمام سطوة الحالة الذكورية في المجتمع، تجيب الجارودي: المرأة هي ورقة الحياة، بل هي الحياة بذاتها، ومن خلال التجربة أطرح ذاتي، ومثيلاتي بشكل مختلف، ليس انكسارا، ولا قوة، وليست صلبة، ولا لينة، إنها المرونة التي لا يدركها كثير من الرجال.

في تعبير مفاهيمي مجسد تواجهنا في مدخل المعرض شجرة تدلت منها أوراق كتبت عليها قصائد لشعراء عرب وسعوديين، إيليا أبوماضي، محمود درويش، منتهى قريش، أزهار آل بريه، حبيب المعاتيق، علي الشيخ، فاضل الجابر، محمد الحمادي، وزكي الصدير.

القصائد أتت كأنها بوابات لتأويل الفرجة المحتملة للساكنين داخل الأوراق التي تشبههم الجارودي بالبشر، وذلك عبر حوارية لونية شعرية تفاعلية بينهما. ويرى بعض المتلقين أن النص الشعري أفسد التجربة التشكيلية، وأنه كان من الأجدى أن يحضر الحرف كجزئية فنية ثانوية، أو كخط أصيل احترافي دون تحميله للدلالة الشعرية.

غير أن الجارودي تدافع عن اختيارها قائلة: لا أعتقد أن دخول النص داخل العمل يفسد التجربة، النص عندما يدخل فهو جزء من العمل الفني، وليس من المهم قراءته، ما أقصده بأن العمل بكل أدواته أصبح يمثلني، ويحمل في طياته روح وذاكرة الشاعر وحيرة المتلقي.

وتتابع الجارودي في الشأن ذاته: معظم التجارب الشعرية لشعراء استوقفتني تجاربهم، ودلالات معاني كلماتهم سواء على المستوى المحلي أو العربي، إنهم يمتلكون التعبير عمّا بداخلي، وإنهم يكملون التجربة دون معرفة سابقة بالعمل، إنهم في دائرتي، ودائرة كل من يجد نفسه يحمل ذاكرة مليئة بالحياة والأمل وبعض الخيبات.

في القسم الداخلي من الغاليري يتدلّى من السقف عملان مفاهيميان على هيئة ورقتين مصنوعتين من “الفايبر غلاس” بطول مترين تقريبا، تروي الجارودي من خلالهما حكاية صمود الورق (البشر)، أمام فعل التصحّر المأزومين به في يومياتهم، ولقد اعتبرهما الفنان السعودي عبد العظيم شلي “مرايا المعرض”.

وعن هذه التجربة الجديدة تتابع الجارودي لصحيفة “العرب” قائلة: العملان يمثلان جزءا من قسوة الحياة، من سطوة الأحداث، وما يتبعها من شجن، لذلك أحببت أن تكون لي هذه التجربة الحاضرة بدلالات وأبعاد مختلفة، تحمل الكثير من الأسرار التي كتبتها وأخفيتها، ثمّ أعدت صياغتها، إنها أسرار المتلقي في المقابل، التي يبوح بها أثناء مشاهدة العمل.

16