دلاميني زوما تدير سياساتها بذهنية الماضي

السبت 2016/02/06
دلاميني زوما لم تتعلم شيئا من مناشدة جنوب السودان بالعودة إلى البلد الأم

أنتويربن - حين تقرأ هذا الخبر الذي يتحدث عن طلب مقدم من جنوب السودان بالعودة إلى الوحدة، فإن كثيراً من الأفكار تتغير في الذهن، خاصة حول المطالبات القديمة والمستجدة لحركات التمرد وبعض الأقليات بالانفصال عن دولها الأم والاستقلال في دويلات صغيرة.

يقول الخبر “تحفّظ قيادي بارز بحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، على مطالبة قائد التمرد بدولة جنوب السودان رياك مشار بإعادة وحدة الجنوب مع السودان، قائلاً إن الانفصال تم باستفتاء الجنوبيين، وأن التراجع عنه يتطلب استفتاء السودانيين. وقال قطبي المهدي إن مطلب حركة رياك مشار بإعادة الوحدة بين السودان وجنوب السودان، سبقته دعاوى تقدمت بها عدة دول للرئيس عمر البشير، في هذا الشأن. وقال المهدي، إن الوحدة كانت من الثوابت الوطنية لدى المؤتمر الوطني، رغم أنها غير مربحة للسودان نتيجة للحروب التي أعاقت مسيرة التنمية بالبلاد”.

لكن نكوسازانا دلاميني زوما رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي لا تبدو على اطّلاع بالمستجدات، خاصة بعد تصريحاتها المسيئة إلى المغرب والداعية إلى دعم حركة البوليساريو الانفصالية.

وتتواتر اليوم الأنباء عن نيّة التقاعد من منصبها الحالي في يوليو المقبل، بعد جولات عديدة تناقل فيها الاتحاد الملفات العالقة في أروقته من دورة إلى دورة. وربما كان هذا خير ما تفعله المرأة التي توصف بأنها المرأة الحديدية السوداء التي ما تزال تؤيد تفكيك دول الاتحاد لصالح هذه الحركة أو تلك.

عقلية الزولو القديمة

الطريق نحو تقاعد المرأة القوية، كما تعرف في أوساط القارة السمراء معبّد بالورود. بينما كان طريقها نحو أعلى الهرم الأفريقي مليئاً بالتحالفات والعقبات التي كادت تطيح بها قبل وصولها للرئاسة في الخامس عشر من أكتوبر لعام 2012.

ورغم توفر كل الإمكانيات الطبيعية الهائلة من حيث الموارد والموقع الجغرافي، إلا أن القارة الأفريقية لم تزل تغرق في كثير من المشاكل العالقة في ملفات تكبر كل يوم، تلك المشاكل التي طالما علّقت دول القارة السمراء الآمال على التكامل فيما بينها تحت مظلة الاتحاد الأفريقي الذي لعب العقيد الليبي معمر القذافي دورا رئيسا في تأسيسه وتمويله ولمّ شمله قبل سقوط نظامه.

ولدت نكوسازانا دلاميني زوما لعائلة بسيطة من قبيلة الزولو في مدينة ناتال الساحلية بجنوب أفريقيا في مطلع العام 1949. وعاشت طفولتها هناك، قبل أن تنتقل إلى أمانزيمتوتي حيث أنهت دراستها الثانوية بكلية تدريب المدينة التي انطلقت منها إلى جامعة زولولاند، لتحصل على درجة البكالوريوس في دراسة علم النبات والحيوان. ثم تعود أدراجها إلى المقاعد الجامعية في مسقط رأسها بناتال حيث بدأت دراسة الطب البشري الذي استكملته في جامعة بريستول ببريطانيا عام 1978 بعد أن وصلتها بعامين.

بدأت دلاميني حياتها السياسية خلال مراحل دراستها الجامعية الأولى، كعضو في جمعيات محظورة كانت تناهض الحكم العنصري في البلاد. نشاطها في البيئة الطلابية دفع بها نحو الصفوف الأمامية لتكون نائبة لرئيس منظمة الطلاب في جنوب أفريقيا.

المرأة الحديدية السوداء ما تزال تؤيد تفكيك دول الاتحاد لصالح هذه الحركة أو تلك، متناسية أن جنوب السودان الذي حارب عقودا لينفصل عن السودان يحاول اليوم العودة إلى الاتحاد مع الشمال

الملاحقة الأمنية الدائمة دفعت بزوما نحو المنفى حيث انطلقت عام 1976 نحو المملكة المتحدة لتبدأ حياتها العملية بعد استكمال دراسة الطب هناك. وجودها الدائم كطبيبة في المشافي الحكومية في سوازيلاند أعطاها تراكما معرفيا في خبرات الإدارة، خبرات عادت لاستنهاضها واستثمارها في إدارة وزارة الصحة في جنوب أفريقيا حين استدعاها الزعيم نيلسون مانديلا لتكون في تشكيلة حكومته الأولى كوزيرة للصحة عام 1994.

زوما بعد مانديلا

رغم المصالحة الشعبية في جنوب أفريقيا مع استلام مانديلا زمام الأمور في البلاد، فإن التركة الثقيلة لنظام الفصل العنصري كانت تلقي بظلالها على مناحي الدولة كافة، سرعان ما بدأت زوما محاربتها من خلال إقرار نظام صحي جديد يسمح للفقراء بالحصول على العناية الصحية المجانية فضلاً عن دورها الفعال في تلك السنوات في محاربة الإيدز والحدّ من انتشاره.

محاولاتها المستمرة لإعادة ترتيب الأوراق في البلاد المنهكة، وضعتها تحت الضوء في أعقاب انتخابات عام 1999 واستلام ثابو مبيكي مقاليد الحكم في جنوب أفريقيا. حيث سارع الرئيس الجديد إلى نقل دلاميني زوما إلى وزارة الخارجية حيث قضت سنوات طويلة ساهمت خلالها في إرساء دور بلادها في ملفات كثيرة كان أبرزها إنهاء الحرب الأهلية في جمهورية الكونغو الديمقراطية. لتعود في عهد زوجها السابق جاكوب زوما “الذي حملت اسمه” إلى تشكيلة الحكومة كوزيرة للداخلية بين عامي 2009 و2012 إلى أن سعت لشغل منصب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي.

الطريق نحو الرئاسة

جولات عديدة خاضتها دلاميني زوما ضد الرئيس السابق للمفوضية جان بينغ، قبل أن تطيح به، بنسبة ستين بالمئة، لتكون أول امرأة تقود المفوضية في تاريخها. ولا بد من القول هنا إن المفاجأة كانت ليس فقط في كونها امرأة، بل كونها أيضاً ناطقة باللغة الإنكليزية ضد مرشح دعَمته كل الدول الفرانكفونية في القارة السمراء فضلا عن أن الاتفاق الضمني بين الدول الأعضاء في المفوضية الأفريقية يقضي بألّا يستلم الرئاسة شخص من بلد يتمتع بسطوة جغرافية أو سياسية بين الدول الأفريقية.

زوما حاولت، خلال دورتها الرئاسية الحالية والتي تنتهي في يوليو المقبل، أن تلعب أفريقيا دوراً كبيراً في شتى المجالات. فتلك الأدوار رغم الطموحات العالية ظلت مقيدة بإمكانات متواضعة تجاذبتها الإرادات السياسية والانقسامات في بلدان مختلفة انشغلت عن الهم العام بالأوضاع الداخلية المتردية.

يمكن النظر إلى تلك الأوضاع عبر ثلاثة مستويات، الأول اقتصادي يتعلق بالتنمية، فخطة تنمية القارة الأفريقية 2026 تسير ببطء واضح منذ سنوات عديدة. والثاني سياسي يتعلق بالصراعات القُطرية الداخلية على السلطة و الزعامة بين الأحزاب أو متمردين مع الحكومات المحلية. أما الثالث فأمني، ويتصل بالإرهاب الذي لم تسلم منه دول أفريقيا التي شكّلت حاضنة حقيقية للتطرف مع ظهور بوكو حرام وزعيمها أبو بكر شيكوا.

مشاكل أفريقيا الحقيقية اليوم تتمثل في مواجهة الإرهاب بعد ظهور القاعدة وداعش وبوكو حرام في أكثر من بلد من بلدان القارة السمراء

التناقض المخيف الذي يبرز عند الحديث عن دول أفريقيا هو كون تلك الدول تملك معظم مصادر المياه الجوفية في العالم، فضلاً عن مخزوناتها من المواد الطبيعية وقدراتها الإنتاجية فيما يتعلق بالثروتين الحيوانية والزراعية، إلا أن شعوبها تعاني من الجوع والفقر، بل يتعدى الأمر ذلك فأفريقيا تشهد منذ عقود نزيفاً بشرياً حقيقياً مشى السائرون فيه دروبهم الطويلة عبر البحار المختلفة نحو القارة الأوروبية، تلك القارة التي شكلت للأفارقة الحلم المنشود في ظل انعدام الآمال بتحقيق الأحلام الموعودة في بلدانهم.

رأس المال البشري في أفريقيا يدق ناقوس الخطر منذ سنوات خلت لأسباب متنوعة منها ما يتعلق بالهجرة غير الشرعية، وآخر يتعلق بالحروب والصراعات الأهلية والقبيلة والسياسية التي لا تغيب في حضورها عن أيّ حدود تعطي مساحات جغرافية لمتمردين حلموا دوماً بأرض صعبة السقوط عسكرياً.

وعود الساسة

القمة الأفريقية الأخيرة للاتحاد الأفريقي عقدت أعمالها في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا تحت عنوان عريض “2016 عام حقوق الإنسان مع التركيز على حقوق المرأة”، وهي لم تكن إلا كسابقاتها في طرح الشعارات الكبيرة دون إمكانية تحقيق خطوات تطبيقها على الأرض.

مواجهة الواقع دائماً مسألة صعبة، والإقرار بفشل منظومة العمل الأفريقي كمظلة تلتئم تحتها جراح البلاد المنهكة بفعل الاقتتال والفقر صار ضروريا، والمعطيات أمام ذلك كثيرة فيكفي أن نرى مثلاً عدم التنسيق بين الأعضاء في ظل التجاذبات الدولية للدول المنضوية في الاتحاد الأفريقي، تحت ضغط الحاجات الداخلية وضعف الدولة القُطرية المنشغلة أصلاً بالصراعات مع الجماعات المسلحة أو المتمردين المنتشرين في دول كثيرة تهدد الأمن القومي لبقية الدول في القارة السمراء، وهنا نتحدث عن الصومال والجغرافيا الممتدة من ليبيا مروراً بالسودان وجنوب السودان وبين السودان وتشاد وعلى الضفة الأخرى في أوغندا والكونغو.

هذه الأوضاع المتردية غير القادرة على الوصول إلى الحالة التكاملية هدّدت مرارا بإسقاط مظلة العمل الأفريقي المشترك. مما جعل تلك الدول -كلّ على حدة- مسرحا حقيقيا للدول الكبرى التي سرعان ما بدأت بالحضور الفردي لتستحوذ على نصيبها من خلال دعم السلطات الحاكمة في بعض الدول، مقابل الحصول على مشاريع حيوية أو نفوذ سياسي حيث تمثّل ذلك الصراع السياسي جليّاً بين الصين و الولايات المتحدة الأميركية.

التحديات في أفريقيا تظهر عبر ثلاثة مستويات، الأول اقتصادي يتعلق بالتنمية، فخطة تنمية القارة الأفريقية 2026 تسير ببطء. والثاني سياسي يتعلق بالصراعات القطرية الداخلية على السلطة والزعامة بين الأحزاب أو متمردين مع الحكومات المحلية. أما الثالث فأمني ويتصل بالإرهاب

الكوميديا السوداء

رغم الطموحات العالية التي تطرح غالباً على الورق إلا أن تحقيقها يبقى منوطا بقدرة السياسيين على الفعل، والقارة الأفريقية بمعظم دولها أخذت على عاتقها تلقّي الفعل الذي يقوم به الآخرون. فلم تبادر يوما منذ تأسيس الاتحاد الأفريقي إلى إدارة الملفات الشائكة المتنوعة التي تتعلق بالدول الأعضاء.

الكوميديا السوداء هي تلك التي يتم تمريرها مغلّفة بالأحلام الكبيرة في أفريقيا التي تمتلك من المقومات ما يمكّنها لأن تكون في الصف الأول بين قارات العالم. وللإنصاف لا بد من القول إن حالة منظومة الجامعة العربية لا تقل شقاء عن مثيلتها الأفريقية من حيث عدم القدرة على الإنجاز وانتظار الفعل في المراحل التي يتطلب منها الفعل، وكما قيل في الأدب فإن الكلام المعسول لا يطهو الجزر الأبيض.

هكذا يمكن تلخيص الإنجازات التكاملية التي تمّت في ولاية دلاميني زوما ومن سبقها على الصعيد الأفريقي الذي يتفاقم السوء فيه يوماً بعد آخر. بعد أربع سنوات من ولاية المرأة الأكثر نفوذاً في أفريقيا -كما يتم وصفها- في رئاسة المفوضية الأفريقية، تشي الأنباء المتواترة من داخل أروقة الاتحاد أن نكوسازانا دلاميني زوما ستتقاعد في يوليو المقبل لتتفرغ لطموحاتها السياسية الخاصة في جنوب أفريقيا، متعلقة بأفكار الماضي التي توحي بأنها لم تتعلم شيئاً من تجارب الأمم.

كاتب سوري

13