دلتا النيل مهددة بالغرق

التغييرات المناخية تعيد رسم خارطة الساحل الشمالي لمصر، والملايين من السكان معرضون للهجرة وإعادة التوطين.
الخميس 2018/06/21
سيناريوهات قاتمة

القاهرة – تقع مجموعة من الدول العربية، من بينها مصر، ضمن دائرة الخطر جراء التغييرات المناخية وارتفاع منسوب مياه البحر. وكانت دراسات كثيرة تحدثت في الشأن المصري، مشيرة إلى أن النيل سيفقد نسبة هامة من تدفقاته وأن أجزاء من الدلتا ستغرق. وإلى وقت قريب، كان ينظر إلى التحذيرات بخصوص “الطوفان” الذي سيغيّر خارطة مناطق الساحل الشمالي لمصر، على أنها تهويل. لكن، مؤخرا بدأت القضية تتخذ منحى أكثر جدية ومتابعة من الجهات الرسمية.

وألقى تقرير رسمي حجرا حرك المياه أزمة دلتا النيل الراكدة، محذرا من تأثيرات مرتقبة لتغير المناخ على المياه في الساحل الشمالي لمصر تؤدي إلى هجرة ما لا يقل عن 5 ملايين شخص من دلتا النيل. وكانت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (إي.بي سي.سي) صنفت دلتا النيل ضمن أكثر ثلاث مناطق في العالم معرضة للغرق بسبب ارتفاع منسوب مياه البحار نتيجة ذوبان الجليد من القطبين وارتفاع حرارة الأرض.

ودق وزير الري المصري محمد عبدالعاطي، ناقوس الخطر أمام المؤتمر الدولي رفيع المستوى حول المياه من أجل التنمية المستدامة المنعقد بالعاصمة الطاجيكية دوشنبه. وقال عبدالعاطي، في مداخلته، إن التنبؤات السكانية لعام 2025، يتضح معها أن نصيب الفرد من المياه قد ينخفض إلى أقل من 500 م 3 سنويا (بدلا من 600 حاليا) مع مؤشرات التدهور السريع في جودة المياه السطحية والجوفية.

وأشار إلى أن الفجوة بين الاحتياجات والمياه المتوافرة تبلغ نحو 21 مليار م 3 سنويا يتم التغلب عليها عن طريق إعادة استخدام مياه الصرف والاعتماد على المياه الجوفية السطحية في الوادي والدلتا. ولفت إلى أن مصر تعد مثالا نموذجيا لدولة نامية معرضة بشدة للتغيرات المناخية وتواجه العديد من التهديدات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وتتمثل هذه التهديدات في ارتفاع مستوى سطح البحر وتسرب المياه المالحة إلى خزانات المياه الجوفية الأرضية علاوة على المناطق المعرضة للغمر بسبب انخفاض مناسيبها الجغرافية مثل دلتا النيل. وأكد وزير الري المصري على أن “الملايين من الناس في دلتا النيل معرضون للخطر وإعادة التوطين وضياع استثمارات تقدر بمليارات الدولارات”.

هجرة السكان

يشتكي الخبراء من أن المعلومات الموثوق بها بشأن الأنماط المناخية المحلية نادرة واستجابة المسؤولين بطيئة وغير منسقة، في حين لا ينفي مسؤولون أنه قد تكون هناك مخاطر ولكن يشككون في حجم تأثر مصر ويقولون إن هناك حاجة لمزيد من الأبحاث.

ومن المتوقع أن تؤدى تأثيرات تغير المناخ في الساحل الشمالي لمصر إلى هجرة ما لا يقل عن خمسة ملايين شخص من دلتا النيل إذا لم يتم اتخاذ إجراءات التكيف المناسبة. كما تتنبأ دراسات تغير المناخ بانخفاض إنتاجية محصولين رئيسيين في مصر (القمح والذرة) بنسبة 15 بالمئة و19 بالمئة على التوالي بحلول عام 2050 وتمليح نحو 15 بالمئة من أكثر الأراضي الصالحة للزراعة في دلتا النيل.

دراسات تشير إلى انخفاض إنتاج القمح والذرة وتملح 15 بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة دلتا النيل

وتزوّد منطقة الدلتا، التي تعدّ واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية، والتي تمتد على مساحة 10 آلاف ميل مربع شمال القاهرة، مصر بأكثر من 60 بالمئة من إمداداتها الغذائية. وإذا حصلت الكارثة فستكون نتائجها وخيمة خصوصا وأنه يصعب فصل الأراضي الحضرية عن مثيلتها الزراعية، حتى أن القاهرة تتداخل بشكل كبير مع أراضي الدلتا الزراعية، ما يجعل عزل الأراضي التي قد تتعرض للغرق صعبا للغاية.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أفاد محمد الراعي، الأستاذ بجامعة الإسكندرية، بأن الفيضان قد بدأ فعلا مع ارتفاع مستوى سطح مياه البحر المتوسط بمعدل 2 سنتيمتر سنويا خلال العقد الماضي. وأضاف قائلا “لقد غمرت المياه بالفعل أجزاء من الخط الساحلي لمصر”، وتوقع حدوث زيادة في العواصف الرملية وموجات أطول من الجفاف يعقبها فيضانات.

وذكر خبراء أن هذه الكارثة ذات نتائج وخيمة وأبعاد هائلة إذا لم تتخذ الحكومة إجراء عاجلا لتحسين إدارة موارد المياه العذبة الشحيحة والتوصل إلى حلول لتخفيف آثار ارتفاع مستوى سطح البحر. وهناك حاجة كبيرة لتغيير السياسات بهدف وضع نظام جديد لاستهلاك المياه يناسب الجميع في مصر إذا كنا نتطلع للحفاظ على الأمن البيئي والاقتصادي لمصر والمنطقة.

وحذر علاء النهري، نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء لدى الأمم المتحدة، من احتمال فقدان مصر لنصف مساحة الدلتا بحلول 2100 إذا لم ترفع حائط صد بحري يقيها ارتفاع منسوب ماء البحر وغرق الدلتا. ويتوقع الباحثون أن يرتفع مستوى سطح البحر المتوسط من 30 إلى 100 سم بنهاية هذا القرن.

وقال النهري إنه من المهم تطبيق نتائج مؤتمر باريس 2015 لخفض درجة حرارة الأرض درجتين وتجنب الكثير من المشاكل المناخية، لافتا إلى أن الولايات المتحدة انسحبت من هذه الاتفاقية والصين عدلت عن الانسحاب بسبب الضغوط التي مورست ضدها. وأكد أن مصر من أكثر الدول النامية التي تحتاج لمعونات مالية وفنية نتيجة تأثرها بالتغيرات المناخية، وذلك نظرا إلى ارتفاع الدلتا لنصف متر فقط خاصة عند المنزلة وبلطيم وجمصة.

وتعيش مصر تحت خط الفقر المائي حيث يحصل المواطن المصري على 700 متر مكعب من المياه سنويا وهي أقل من الحد الأدنى الذي وضعته الأمم المتحدة وهو ألف متر مكعب، ومع زيادة السكان من المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد إلى 450 مترا مكعبا سنويا، هذا دون حساب كارثة ارتفاع مستوى البحر الذي يهدد الدلتا بالغرق.

محمد عبدالعاطي: هجرة 5 ملايين مواطن من دلتا النيل جراء تغيرات مناخية
محمد عبدالعاطي: هجرة 5 ملايين مواطن من دلتا النيل جراء تغيرات مناخية

ويؤثر نقص المياه على الفقراء وخاصة في المناطق المحيطة بالمشروعات التنموية الجديدة التي تسحب كميات ضخمة من الماء بعيدا عن المناطق الفقيرة من أجل تلبية الاحتياجات المتنامية للمناطق الجديدة. وتذكر تقارير أن مياه النيل الصافية لم تعد تصل إلى الكثير من أهالي الدلتا المصريين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى استهلاك مياه غير صالحة للاستعمال وريّ محاصيلهم الزراعية بمياه المجاري والصرف الصحي والصناعي وما أمكن الوصول إليه من مياه جوفية.

وكانت صحيفة الوفد المصرية، نشرت تقريرا في سنة 2006 نقلا عن لجنة الإسكان بمجلس الشعب، يؤكد الكارثة الخطيرة التي تهدد حوالي 21 ألف قرية، أغلبها يقع في قلب محافظات الدلتا. وذكر التقرير أن أهالي هذه القرى يحصلون على القليل من الماء الصالح للاستعمال وبمعدّل مرة كل عدة أيام أو أسابيع مع مناوبات الري، ونظرا إلى قلة مياه لجأ الأهالي إلى استخدام مياه الآبار التي يتم حفرها بمعرفتهم ودون أصول فنية وتختلط مياهها بالصرف الصحي.

أزمة سد النهضة

تزداد مشكلة مصر مع المياه تأزما في ظل الخلافات مع دول حوض النيل، مصدر المياه الرئيسي، التي باتت تطالب بحصص أكبر من مياه النهر بحجة تعويض تناقص سقوط الأمطار، وأزمتها مع إثيوبيا بشكل أكبر بسبب سد النهضة، الذي تخشى القاهرة من أن يؤثر سلبا على تدفق حصتها السنوية من نهر النيل.

ويشكل تناقص مياه نهر النيل مقترنا بالنمو السكاني السريع ضغوطا على الإنتاج الزراعي في البلاد. وأكد عبدالعاطي أن الوضع المعقد لمصر لا يمكن معه قبول تناقص حقوق مصر التاريخية والاستخدامات الحالية في مياه النيل، وأن لا أحد على الأرض سيقبل بموت شعبه بسبب العطش والمجاعة. وأشار الوزير المصري إلى أن التعاون المشترك مع دول الحوض يجب أن يعتمد على النفع المشترك وعدم الإضرار بالغير.

6