دلير شاكر: تعبير الفن عن الأوجاع والسلبيات لا يعني افتقاده لجمالياته

تعكس أعمال المعرض، من رسومات وأعمال خزفية وكولاج وغيرها من أساليب وتقنيات التشكيل، تجربة ذاتية للنحات العراقي الذي عاش الغربة سنوات طويلة.
الثلاثاء 2020/11/03
أسلوب فني مبتكر يجمع بين الفكر العميق والشكل الجمالي

هل يمكن للأعمال التشكيلية أن تجسّد وجع وطن جريح ومأساته دون أن تفقد جمالياتها، وهل تستطيع أن تعمل على تثبيت هويّته الوطنية والإبقاء عليها حية عبر إيقاظ الذكريات المحفورة في الوجدان الجمعي، مهما مرت السنوات وبعدت المسافات حتى بالنسبة إلى أولئك الذين استقروا في أمكنة أخرى أو أوطان بديلة لمسقط رأسهم الممزّق بما يعانيه من دمار وخراب؟

عبر مخيلة خصبة وتقنية متميزة يحاول النحات العراقي دلير شاكر أن يثبت هويته الوطنية مبقيا عليها حية من خلال أعماله الفنية التي يضمّها معرضه المقام بغاليري “دار المشرق” في العاصمة الأردنية عمّان، ويتضمّن أعمالا تركيبية من الخشب والفحم وأسلاك الكهرباء والمسامير والصحون الخزفية مع مواد الرسم.

وكأنه اختار أن يعطي مدينته المنكوبة بغداد بكل تقاطعاتها الفوضوية وآلياتها العشوائية الراهنة فرصة لاستعادة ماضيها الجميل، أو أراد أن يمنح قبلة حياة لحنين أهلها تجاهها، خاصة أولئك الذين تركوها وتركوا خلفهم بيوتهم وذكرياتهم وحيواتهم. ولم ينس دلير أيضا أن يجتذب أبناءهم الذين ولدوا في الغربة إلى جذورهم ومدينتهم الأم التي يقول عنها “كانت تشكل واحدة من أروَع المدن في المنطقة العربية، منذ الخمسينات والستينات من القرن الماضي”.

دلير شاكر: كل سطح غائر يمكنني الحفر عليه يمثل شغفا بالنسبة إلي
دلير شاكر: كل سطح غائر يمكنني الحفر عليه يمثل شغفا بالنسبة إلي

تجربة ذاتية

تعكس أعمال المعرض، من رسومات وأعمال خزفية وكولاج وغيرها من أساليب وتقنيات التشكيل، تجربة ذاتية للنحات العراقي الذي عاش الغربة سنوات طويلة، فبعد دراسته الخزف في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وحصوله على الدبلوم عام 1990، غادر مدينته التي يحبها في التسعينات ليقيم في عمّان، ومنها توجه إلى الولايات المتحدة، وأقام بها نحو عشر سنوات ليعود إلى الأردن مرة أخرى، وخلال ذلك قام بزيارة إلى بغداد ليصطدم بما لحق بها من تغيرات عشوائية أطاحت بتفرّدها.

وقال لـ”العرب”، “بعد سنوات من زيارتي الأخيرة للعراق، وما أصابني يومها من وجع وصدمة حقيقية حين رأيت تغيراتها، ولمست إلى أي مدى فقدت جانبا كبيرا من جمالها المعماري، وتقاربها الإنساني فكانت هذه الأعمال التي تسرد حكايتي وحكاية مدينتي”.

وأضاف “لقد تحوّلت بغداد إلى غابة كبيرة من الأسلاك الكهربائية المتشابكة المعقدة، فجعلت من هذه الأسلاك معادلا موضوعيا لمشاعري وأفكاري، من هنا اخترت هذا  العنوان الموحي  للمعرض الجديد  “تشابكات”.

ولم تكن التشابكات المقصودة من جانب دلير شاكر في أعماله وحدها التشوهات في البناء العشوائي، فهي على حد وصفه لـ”العرب”، “تتجاوز ذلك لنعثر على جزء منها مرئيا، نراه بالعين، وجزء آخر غير مرئي يمثل التعقيدات الاجتماعية التي شهدتها المدينة في التسعينات وما تبعها من تغير في البيوت والظروف والقيم الاجتماعية، فقد  تداخلت الأمور كلها في ما بينها، ولا أحد يعرف لها بداية أو نهاية”.

وفي عمله  “الراوي”، والذي يشير فيه إلى نفسه كراوٍ أو شاهد عيان عما يحدث  حوله، يرى المتلقي رأسا متشظيا بالتشابكات والأسلاك التي يخرج جزء منها إلى الأفق، كأنه عمل دامٍ مستقل.

وأوضح “هذا العمل أحكي فيه حالة التشابك الموجود داخل الإنسان العراقي، فداخل كل منا تشابك وحياة صعبة نعيشها يوميا مع أفكارنا ومشاعرنا، ومع ترقبنا ومخاوفنا من المستقبل يظل الإنسان يفكّر في أموره حتى آخر يوم في عمره، ولا أعتقد أن أحدا ينجو من هذا التشابك الموغل في العمق”.

وأكّد لـ”العرب”، “إذا كنت أقصد بشكل أساسي الإنسان العراقي، فإنه ينطبق على  الجميع في كل المدن العربية التي تعاني صراعات ومؤامرات وإصرار بعض الحكومات على سلب الإنسان كرامته ووعيه بما يدور حوله”.

بيوت في المنفى

Thumbnail

يأتي عمل “بيوت في المنفى” كنموذج للأعمال التي تتناول تداعيات الغربة أو للدقة الهجرة القسرية التي اضطر إليها العراقيون.

وقال دلير شاكر “وضعت أسماء من عائلتي وأصدقائي من أجيال مختلفة كرمز لمعاناة الغربة والحنين إلى الوطن، وما يواجه الجميع من صراعات وتشابكات بين الماضي والحاضر، وبين ثقافة أوطانهم والثقافات الجديدة للأوطان البديلة من جهة، وبين الخوف من الموت تحت وطأة الحرب وترقّب انقلاب الحياة في الغربة من جهة أخرى، وفي كل الأحوال أردت أن أركّز على التمسّك بالهوية والجذور لدى الجيل الجديد، ولذلك وضعت اسم ابني تيمور، وأسماء لأطفال آخرين أعرفهم مثل، أسماء ابنتي صديقي الفنان محمود العبيدي، زارا، وزينة، كما استعنت باسم أمي ميادة، في إشارة إلى الهجرة الجماعية الاضطرارية”.

وكما يتناول الفنان سلبيات وأوجاع مغادرة الوطن، يطرح الوجه الآخر للغربة، وما يصيب الإنسان من تشابكات بين وجهيها، وعبر عن ذلك بقوله “برغم كل معاناة المهاجرين فإن الغربة قد تمنح المرء وعيا ثقافيا أكثر منه إنسانيا، حين تكون داخل دول تتمتّع بدرجة عالية من الطرح الثقافي، ما يؤثر في الفنان والمبدع بشكل أكثر وضوحا، فعندما يعيش بعيدا عن بيته والمكان الذي تربى فيه وشهد صباه ويجد نفسه منغمسا في ثقافات جديدة يحصل على جرعات إلزامية منها”.

ويقدم الغرب معطيات تتعلق بالثقافة البصرية، فيمكنه زيارة أكبر الغاليريهات والمتاحف العالمية، والتواصل وجها لوجه مع الفنون التي كان يطلع عليها فقط في الكتب أو على الإنترنت، ما يخلق بداخله حوارات وتساؤلات تستفزّه وتدفعه إلى الإبداع وتطوير أدواته الفنية.

أعمال تصور وجع مغترب
أعمال تصور وجع مغترب

ولا تقتصر تشابكات  دلير شاكر على الأفكار والمشاعر وحدها أو مضمون الأعمال، لكن الأمر يمتد إلى خاماتها وأسطحها وموادها، ما يتوافق مع سعيه الدائم إلى استكشاف طاقاتها، خاصة الطين الذي يشغله كثيرا، وينصب اهتمامه عليه، وإن كان يكاد الحديد ينافسه في هذا المعرض، حيث تتشكل الأعمال وعددها نحو 15 عملا من خامات مختلفة، هي الحديد والخزف والأوراق اليدوية الصنع والكانفاس والسيراميك، ولا يجد المتلقي التشابك أو الدمج بين هذه المواد في الأعمال المتجاورة فقط، لكن داخل العمل الواحد أيضا، في حالة من الثراء الفني.

وذكر شاكر في حديثه لـ”العرب”، “اهتمامي الأول بالخزف، وتأثّرت بوالدي الخزاف المعروف سعد شاكر، وفتحت عيني في طفولتي على فن وثيق الصلة بالأسطح، ووجدتها تجتذبني، لاسيما الطين، وكان كل سطح غائر يمكنني الحفر عليه يمثل شغفا بالنسبة إلي”.

ونجح دلير في أن يوظف الخامات بتشابكها في توصيل أفكاره للمتلقي، وإن كانت البطولة في هذا المعرض للحديد، حيث قدّم أشكالا مجسمة وأسلاكا رفيعة وطويلة متداخلة وشديدة التعقيد على أسطح أخرى من الخزف والكانفاس والخشب.

وأوضح “لم يعد سطح اللوحة القماش هو الأسلوب الوحيد أو الكافي الذي يوصل فكرا معينا للمتلقي، من هنا كسرت إطارها، وتركت الحديد يتمدّد على السطح الخشبي أو الخزفي، ويخرج عنه إلى الأفق”.

ومع أن الحديد مادة صلبة وصعبة، خاصة عندما يتم توظيفها لتجسيد العشوائية والخراب والغربة، فإن الفنان العراقي نجح في الإبقاء على حالة جمالية إبداعية تخطف العين لأعماله.

وأكّد لـ”العرب” أن تعبير الفن عن الأوجاع والسلبيات لا يعني افتقاده لجمالياته، فهي تجعله قادرا على جذب الجمهور من مختلف الفئات، وهذه المهمة لا تكون سهلة بالنسبة إلى الفنان لكنها ضرورية.

16