دليلنا إلى شيراز

السبت 2015/04/25

اسمه موسى بيدج، إنه المترجم الإيراني الكبير الذي يمضي بدون كلل رافعا راية الحوار بين الثقافتين العربية والإيرانية، عبر مغامرته الخاصة والمذهلة على مستوى الترجمة.

فهذا الإيراني الكردي، الذي يقترب من الستين من عمره، استطاع أن يحقق ما لم تحققه مؤسسات الترجمة المتفرقة على مستوى العالم العربي، لتكون بذلك أعماله نافذة أساسية للقارئين العربي والإيراني على تجارب أدبَي بعضيهما البعض. ترجم بيدج أكثر من ثلاثين كتابا من العربية إلى الفارسية، منها “الحب ليس مهنتي” لمحمد الماغوط و”العصافير تموت في الجليل” لمحمود درويش وأعمال لنزار قباني وجبران وسميح القاسم وتوفيق زياد ومختارات من شعر شمال أفريقيا.

كما ترجم بيدج عددا من أعمال الأدب الإيراني إلى العربية، منها “مختارات شعرية” للشاعر قيصر أمين بور و”مختارات من الشعر الإيراني الحديث”، وبالإضافة إلى كل ذلك، يشرف بيدج على مجلة شيراز التي تقدم مختارات من الأدب الإيراني مترجمة إلى العربية.

الخيط الرابط بين ما يقوم به بيدج هو حرصه من جهة على تقريب القارئ الإيراني من المنجز الأدبي العربي عبر تنوعاته الجغرافية والثيماتية، ومن جهة أخرى، تقريب القارئ العربي من ثقافة تضل رهينة الصورة التي تنسجها الحسابات السياسية عن إيران، إذ يبدو أننا نظن، داخل العالم العربي، أن الشعراء الإيرانيين “يخبئون المدافع والدبابات في ثنايا قصائدهم”، كما كتب لي يوما بيدج.

من يقرأ مجلة شيراز، وهو اسم لمدينة عريقة “تمطر ورودا وموسيقى”، يحس أنه أمام تجارب إبداعية ضاربة في الحداثة، حيث يستحيل أن تقرأ قصيدة محافظة أو دينية كما قد نتوقع ذلك. هنا تحضر قصائد الرومانسية العميقة. وتحضر أيضا أصوات المبدعات الإيرانيات من خلال كتاباتهن المذهلة عن الحياة وعن الحب. هنا تلتقي تجارب أحمد شاملو، مؤسس قصيدة النثر بإيران، والشاعر والتشكيلي سهراب سبهري، وفروغ فرخ زاد المعروفة بتمردها الشعري والإنساني، والقاص علي مؤذني، وغيرهم من الكتاب الذين ينسجون مشهدا ثقافيا متعددا يقترب مما يتم تحقيقه على مستوى الإنتاج السينمائي الإيراني الذي أذهل العالم.

تعرفت إلى موسى بيدج منذ سنوات خلال المهرجان العالمي للشعر بإسطنبول، وتجدد لقاؤنا بالمعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء، ثم ببيتي في الرباط. خلال لحظة وداعنا أمام مقهى باليما، تشبثت به صغيرتي ريم، بشكل غريب وهي تجهش بالبكاء، بيدج نفسه بكى متأثرا بالموقف الذي أثار فضول كثير من المارة.

بعد مدة من عودته إلى بلاده، غطت سحابة داكنة علاقات بلدينا، وما زالت ريم تبكي بشدة كلما تذكرت عمو موسى، كما تحبّ أن تناديه. أما أنا فلا أجد اللغة كي أفسر لصغيرتي ذات الثماني سنوات سبب غيابه.

كاتب من المغرب

17