دماء عربية على أرض النيل

يوما ما، لا أراه بعيدا، سيحتضن إستاد القاهرة عائلة "غزوان"، وكل من شاركونا الهزيمة والنصر، وأقارب من استشهدوا أو رحلوا، فمصر لا تنسى فضل من وقف معها وقت الشدة.
الأربعاء 2019/10/02
وقائع تاريخية تبقى في الذاكرة

“إن غابت مصر فقل على العرب السلام، وإن غابوا عنها تصبح كرة معلقة في الفراغ، وهذا ما لا يليق ببلد يحترف صناعة التاريخ والحضارة”. المقولة للمؤرخ اليمني لطف الله جحاف، المعاصر للغزو الفرنسي لمصر.

أراها، دائما، بوتقة لدماء أمتها، كما هي لثقافاتها بتنوعاتها. لا أتحدث عن نماذج بدت فردية وترسخت في ذاكرتنا، من سليمان الحلبي لجول جمال، دافعت بروحها عن أرض النيل، بل عن “حشود” غادرت وطنها لتدافع عن وطنها الثاني، مؤمنة، حتى قبل تبلور الخطاب القومي، بوحدة المصير والعدو.

الوقائع التاريخية موثقة وتحتاج لمؤلفات، وحتى لا نتوه بينها، نتوقف عند حدثين فارقين، كل منهما ضمن سياقه، في تاريخ مصر وأمتها العربية.

الأول، الغزو الفرنسي لمصر. مقارنة بتقهقر المحتلين القدامى، الترك، أمام الغزاة الجدد، يوثق الجبرتي، في “مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس”، ليس فقط مساهمة مئات العرب الدارسين بأروقة الأزهر، بل تدفق آلاف المتطوعين العرب على المحروسة لمقاومة غازيها. فقرة مكثفة، حملها الصحافي حمدي عبدالرحيم، منقبا بين كتب أرخت للمدد القومي الذي انتفض دفاعا عن قلبه، ولنجدة أخوتهم المصريين، بعد أن زلزلتهم أخبار تدنيس أراضي المحروسة.

أبرز الموثقات هنا، مخطوط للمؤرخ اليمني لطف الله جحاف بعنوان “درر نحور العين في سيرة الإمام المنصور وأعلامه الميامين”، حققه الباحث في الشأن اليمني مصطفى سالم. قال جحاف في مقدمته إنه كتبه ليضع تحت عيني حاكم اليمن “حقيقة يجب ألا تغيب”، هي المقولة التي تصدرت مقالتنا.

على الجبهة السورية، شارك العراق بـ4 أسراب جوية وفرقة مدرعة وأخرى مشاة، والأردن بـلواءين مدرعين، والمغرب بلواء مدرع

غالبا، كان يستحثه على دعم حملات اليمنيين، التي لم تكتف بالدعاء لنصرة القاهرة، فحمل القادرون منهم السلاح إلى مكة ثم المدينة، لينضموا إلى إخوانهم المتطوعين من الحجاز والشام والمغرب، المتواجدين فيها للتجارة أو لأداء المناسك. تكونت كتائبهم الأبرز بقيادة الإخوة محمد وطاهر وحسن الجيلاني، ليعبروا البحر الأحمر إلى القصير بمصر، قاد الأول 4 آلاف متطوع والثالث ألفين.

وكما كانت مساهمة “عرب الأزهر” فاعلة بمعارك القاهرة، خاصة في بولاق، كانت بصعيد مصر، ليستنجد ديزيه قائد الاحتلال في الوجه القبلي بنابليون “نخوض معارك عسيرة مع الفلاحين والمتطوعين المَكّيين، وكأننا على حافة العالم، نفتقر لكل شيء”. ديزيه نفسه تلقى من بليار قائد الاحتلال في قوص عن معارك عانتها قواته من بيت لبيت، يقول “أمرت باقتحام البيت وشق الطريق إلى باحته، وإحراقه، فهبط المكّيون منه عراة، يمسك كل منهم سيفًا بيد وبالأخرى بندقية، ويطلقون النار على جنودنا ويحاولون إطفاء النار بأقدامهم”.

ينقل عبدالرحيم في موقع أصوات، 9 سبتمبر 2019: برع المتطوعون العرب في المعارك “النهرية”، حاصروا السفينة الفرنسية الأحدث، موراندي، بصنادل نهرية، فأمر قبطانها بحرقها حتى لا تصبح غنيمة للمكيين، الذين عادوا من مياه النيل ببحارتها أسرى. ومن الصعيد انتقلت كتائب المتطوّعين العرب إلى القاهرة والدلتا، مواصلة مقاومتها للغزاة مع المصريين، حتى انسحابهم.

الحدث الثاني تتجدد ذكراه هذه الأيام، نصر أكتوبر 1973، فمع الحديث عن مواجهة “العدو المشترك”، يتقدم دعم الرئيس الجزائري الراحل، هواري بومدين، المفتوح، ومؤتمر الخرطوم، الذي شهد المصالحة بين القاهرة والرياض، وإقرار خطة لتغطية خسائر “دول الطوق”، وإعادة تسليح جيوشها، لكن كثيرين من المصريين لا يعرفون أن مقابر جيشهم تحتضن رفات شهداء من 8 دول عربية، تخضبت بدمائهم الطاهرة أرض القنال.

يُقدر اللواء د. إبراهيم شكيب، المحلل العسكري، الذي شارك في حروبنا من 1956 حتى 1973، عدد المشاركين العرب في العبور بما بين 8 و10 آلاف مقاتل. شكيب كان رئيسا لعمليات منطقة البحر الأحمر خلال أكتوبر.

نقول “يُقدر”، لأنه لا توجد أرقام رسمية معلنة، ولا توثيق معتمد للوقائع. وعلى من يريد أن يدقق أن ينقب في حوارات وتقارير وروايات وشهادات شخصية، تتفاوت بين المبالغة في حجم ونوعية المشاركة، وبين نفي تام لحدوثها، من مصريين.

لـ”الأهرام العربي”، 6 أكتوبر 2012، يُفصّل “شكيب” نوعيات المشاركة وفق معطياته: الجزائر.. 3 أسراب جوية، وصلت في 9 و10 و11 أكتوبر، ولواء مدرع.. ثم لواء ثان في 17 أكتوبر. ليبيا.. سربين اثنين ميراج، ولواء مدرع. العراق.. سرب هوركر هنتر. المغرب والسودان.. لواء مشاة. الكويت وتونس.. كتيبة مشاة. وعلى الجبهة السورية، شارك العراق بـ4 أسراب جوية وفرقة مدرعة وأخرى مشاة، والأردن بـلواءين مدرعين، والمغرب بلواء مدرع. وعلى الجبهة الأردنية تمركز لواء مدرع سعودي.

هذا ليس جردا دقيقا، فالقوات السعودية تمركزت في الجولان بكافة أسلحتها، من الطيران للخدمات الطبية، ويُذكر لها معركة “تل مرعي” يومي 20 و21 أكتوبر. ومشاركة تونس والكويت، قدرتها مصادر أخرى بلواء مشاة. التونسي كان بقيادة اللواء ورئيس الأركان، في ما بعد، عبدالعزيز سكيك، الذي استشهد في تحطم هليكوبتر عسكرية يوم 22 يناير 2002، مع 13 من أركان الجيش التونسي، في جريمة معلقة في رقبة الرئيس المعزول زين العابدين بن علي، ومطابقة لاغتيال الشهيد المصري أحمد بدوي، وزير الدفاع حينها، و13 من قيادات جيشه، في مارس 1982. بدوي كان قائدا للجيش الثالث الميداني خلال أكتوبر، وتواترت روايات عن تصفيته بأوامر من أنور السادات.

كما كانت مساهمة "عرب الأزهر" فاعلة بمعارك القاهرة، خاصة في بولاق، كانت بصعيد مصر، ليستنجد ديزيه قائد الاحتلال في الوجه القبلي بنابليون

توقفت عند المشاركة الكويتية، فقد بدأت في 4 يونيو 1967، ثم بسرب جوي، عام 1970. تحمّل ثلث جيشها، لواء اليرموك، الهزيمة معنا، وشارك في حرب الاستنزاف، التي جرح فيها الشهيد فهد الأحمد الصباح، الذي سيتولى إخراج ياسر عرفات من الأردن خلال أيلول الأسود 1970، ويستشهد أثناء مقاومته غزو صدام حسين لوطنه. و”اليرموك” وهب تراب مصر 29 شهيدا كويتيا في حربي الاستنزاف وأكتوبر، وعناصره كانت أول من رصد الثغرة. الثلث الثاني من الجيش الكويتي، لواء الجهرة، انضم للجبهة السورية قبل الحرب بأشهر. وسنويا، تنظم السفارة المصرية في الكويت، حفلا لإحياء ذكرى الـ29 شهيدا، وتستقبل مقابر الجيشين، الثاني بالإسماعيلية، والثالث بالسويس، عائلاتهم.

ومع بدايات يوليو 1967، انضم للجبهة المصرية جيش التحرير الوطني الفلسطيني، ولواء مشاة جزائري، وآخر سوداني، سُحبت إحدى كتائبه مع محاولة انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971، لحماية الخرطوم، ثم عادت للجبهة، في أغسطس 1972.

في حديث المشاركة، نقرأ أسماء قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، والجزائري عبدالمالك ڤنايزية، وزير الدفاع حتى سبتمبر 2013، وأحمد قايد صالح.. حاكم الجزائر الفعلي الآن. ونسمع مناشدة للجيش المصري من عميد عراقي متقاعد، غزوان عدنان، شارك في الضربات الجوية الأولى مع 14 من مواطنيه، باستعادة الأوسمة التي كرمته بها القاهرة، خاصة نجمة سيناء، وأجبره صدام حسين، مع أقرانه، على ردها بعد كامب ديفيد. متمنّيا ألا يموت قبل أن تعود لتزيين صدره.. “فهي من مصر”، وفق تعبيره لفضائية أم.بي.سي، سبتمبر 2012.

يوما ما، لا أراه بعيدا، سيحتضن إستاد القاهرة عائلة “غزوان”، وكل من شاركونا الهزيمة والنصر، وأقارب من استشهدوا أو رحلوا، فمصر لا تنسى فضل من وقف معها وقت الشدة.

8