دماء على رمال سيناء: القصة الكاملة للتنظيمات الجهادية في مصر

كتاب يقدّم صورة تقريبية للتنظيمات الجهادية الجديدة التي نشأت عقب الثورة المصرية.
الثلاثاء 2020/08/04
بيئة منتجة للتنظيمات الجهادية

حين هزت صيحاتُ المتظاهرين ميدان التحرير بالقاهرة والميادين المصرية الأخرى، في 25 يناير 2011، كان الإعلاميان ماهر فرغلي وصلاح الدين حسن المتخصصان في متابعة الإسلام السياسي يعملان على رصد خارطة انتشار الجماعات الإسلاموية. وعبر لقاءات متنوعة مع قيادات التنظيمات الجهادية، الذين حرصوا على نصب خيام لهم لتلقي البيعات في ميادين مصر، مثل: أحمد عشوش ومحمد حجازي، وغيرهما، استطاعا الاعلاميان التوصل إلى صورة تقريبية للتنظيمات الجديدة التي نشأت عقب الثورة المصرية، وقدما هذه الصورة في كتابهما “دماء على رمال سيناء.. القصة الكاملة للتنظيمات الجهادية الجديدة في مصر”، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

غير أن الاعلاميين لم يكتفِيا بتتبع تلك التنظمات في ميادين المظاهرات، بل زارا أيضا مقار القيادات ومنازلهم مثل محمد الظواهري، كما التقوا ببعضهم في ساحة القضاء المصري، مثل عناصر تنظيم بيت المقدس وخلية مدينة نصر، ومن بينهم داود خيرت، والضابط طارق أبو العزم، الذي عمل على تأسيس خلايا داخل الجيش المصري. كما زارا سيناء لاكتشاف مدى شعبية تلك التنظيمات، وفهم استراتيجيتها في الترويج لنفسها بين المواطنين.

وأكد الاعلاميان بعد إطلاعهما على 70 ألف ورقة انبنت في معظمها على اعترافات الجهاديين وأعضاء اللجان النوعية المسلحة، أنّهما توصلا إلى أن هذه المجموعات قد تشكّلت في أغلبيتها، عقب فضّ اعتصام رابعة، والقرار الذي اتخذته الإخوان بتحريك المظاهرات والمسيرات في أنحاء الجمهورية،فيما قررت الشرطة حينها عدم المواجهة المباشرة، وتركت الأهالي يتصدّون لها، ما أدى إلى سقوط ضحايا من الطرفين، ومن بينها ميداني”الألف مسكن” و”بين السرايات”.

وبعدها فكّرت التنظيمات في التعامل مع المواجهات بطريقة مختلفة، فاستعانت ببعض الجهاديين لتشكيل ما يُسمّى “لجان الردع”. وبعد أحداث الحرس الجمهوري، في “8 يوليو 2013″، التي سقط فيها 61 قتيلاً طبقاً لتقرير الطب الشرعي، دارت مشاورات داخل التنظيم بين دوائر قيادات الإخوان العليا والمتوسطة حول “السلمية” و”العنف”. وفي هذا الوقت بالتحديد، حصل تقارب بين الجهاديّين والتكفيريّين، وخريجي سجون الرئيس الراحل حسني مبارك، والتقت أهدافهم حول ضرورة تشكيل أجنحة مسلحة، حتى أن سيناء وحدها شهدت 19 تنظيماً خلال تلك الفترة. وقد ضمّت هذه التنظيمات عدداً من العائدين من سورية، أو الذين فشلوا في الوصول إليها، مثل خليّة “عرب شركس”. وفي الفترة ما بين يوليو 2013  وديسمبر 2014، بلغت نسبة الهجمات الارهابية الموجّهة ضد قوات الأمن 71 في المئة من مجموع الهجمات، أكثر من نصفها تمّ عبر إطلاق الرصاص، بينما شكّلت القنابل والعبوات بدائيّة الصنع ما يقرب من 20 في المئة منها.

الكتاب يكشف كيف  تَدَعْشَنَتْ المنطقة بالكامل طائفياً وعرقياً وثقافياً وسياسياً
الكتاب يكشف كيف  تَدَعْشَنَتْ المنطقة بالكامل طائفياً وعرقياً وثقافياً وسياسياً

وأوضحا أنه بالطريقة نفسها نشأ الجهاد الفردي والمبادرات الارهابية الفردية، كما حدث تحوّل خطير بعد ذلك، بإعلان أبي بكر البغدادي الخلافةَ، وإعلان جماعة بيت المقدس بيعتَها له، وتغيير اسمها إلى “ولاية سيناء”، ومن ثَمّ انشطر التنظيم، وظهر “المرابطون”. وكان أغلب المراقبين لا يستطيعون بسهولة التفريق بين التنظيمات التي تتبع بشكل مباشر السلفية الجهادية، والتنظيمات التي ترجع في أصولها إلى جماعات التكفير والتوقف والتبين، أو مجموعات الإخوان النوعية المسلحة.

وشدد الاعلاميان “أنّه لم يتمّ تحويل الكمائن الأمنية الثابتة إلى متحرّكة، أو وضع كاميرات في كلّ الأماكن والشوارع الحسّاسة، وفي أماكن الارتكازات، والأماكن المرجّح الهجوم عليها، وبسبب ذلك لا تزال الحرب في سيناء مشتعلة”.

وقال الاعلاميان “هناك خلايا إرهابية نسوية، الآن في سيناء، وكان لها دور كبير جداً في جميع العمليات الارهابية الأخيرة، فهنّ من يزرعنَ العبوات الناسفة، فلماذا لا تقف شابة من الخدمات الطبية في مستشفى العريش العسكري على بعد خطوات من الكمين، وتقوم بتفتيش أيّ امرأة في غرفة منفصلة بكلّ احترام وإنسانية، مع العلم بأنّ تفتيش النساء بالشكل الاعتيادي الذي يحدث يثير البدو، وأهالي سيناء بشكل كبير، ويستغلّه الإرهابيون في التجنيد وإثارة الشباب على الجيش… كما أكد معظم الضباط الذين كانت لهم مهمات عسكرية في سيناء،  أنّ الإرهابيين يعيشون في عقارات وسط الأهالي، فهل من صعوبة في تسجيل تلك العقارات وأصحابها إلكترونيا، بما يسهم في التضييق على تحركات المسلحين داخل مدن شمال سيناء”.

ولفت الإعلاميان إلى أن داعش تنظيم غير تقليديّ، فهو ليس مثل تنظيمات التكفير المعهودة، كما أنه يتشكّل من عدّة طبقات؛ الأولى متكونة من المقاتلين العراقيين بعشائرهم وعائلاتهم، والثانية من السوريين وعائلاتهم وعشائرهم، والطبقة الثالثة هم الأجانب وعائلاتهم، سواء القادمون من أوروبا أو آسيا، وغيرها من البلدان والقارات الأخرى، أمّا الطبقة الأخيرة، فهي متكونة من النساء والأطفال والمراهقين، الذين تعلّموا في مدارس ومعسكرات وجامعات التنظيم الارهابي، وقد بدأ التنظيم منذ سنوات في تلقّينهم عقيدته وأفكاره وأطروحاته.

وشدد الإعلاميان على أن مصر تحديداً، لا توجد فيها بيئة حاضنة للتنظيم الارهابي؛ كما هو الشأن للعراق وسوريا وليبيا، ولكن بيئة منتجة لهذا التيار على المجمل، وهذه البيئة تحتاج إلى بحث مفصل عن كيفيّة إنتاجها لعناصر داعش يومياً، وفشلها في مواجهة أفكاره، حتى أن الاعلاميان لا يستبعدان إمكانية تحوّل بعض المناطق في مصر من منتجة للدواعش إلى بيئة حاضنة، وقد تتضاعف فيها أعداد التكفيريين والجهاديين. وعلى الرغم من أنّ أفكار الموت غير قابلة للحياة، فقد نجح داعش تنشئة جيل من الأطفال ليكونوا إرهابيّي المستقبل، وأكثر عنفاً ووحشية، كما أن مشاهد العنف التي يتعرض لها المراهقون تكون أيضا سببا في سهولة استقطابهم من قبل التنظيم.

وخلصا الاعلاميان إلى أن ما بعد “داعش” هو الأمر الذي لا بُدَّ أن يشغل بال المهتمّين بهذه الظاهرة، وربما يكون ما بعده أكثر سوءاً من التنظيم نفسه، طالما أنّ المنطقة تَدَعْشَنَتْ بالكامل، طائفياً وعرقياً وثقافياً وسياسياً أيضاً، وسيستمرالتنظيم الراديكالي المتطرّف؛ لأنه ابن شرعي للأزمات التي افرزتها الثورات العربية والسياق العام الحالي لكلّ المنطقة.

12