دماء 36 شابا بريئا في رقاب المحمود ومعصوم والعبادي

الخميس 2016/08/25

عندما تشكك منظمة دولية عرفت بصدقيتها وحرفيتها في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان والدفاع عن المضطهدين، مثل منظمة العفو الدولية، في محاكمات جرت في بغداد لـ(36) شاباً سنياً، اتهموا بالمشاركة في جريمة “سبايكر” التي حدثت في منتصف يونيو 2014، وتندد بأحكام الإعدام التي صدرت ضدّهم، ونفذت الأحد الماضي، فإنها استندت إلى جملة وقائع وأحداث رافقت سير التحقيق والمحاكمات، وجميعها لا تنسجم مع المعايير القانونية الدولية، ولا تتوافق حتى مع قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، مما يؤكد أن هؤلاء الشبان أُعدموا لمجرد احتواء الغضب الشعبي على مجزرة الكرادة ، كما ذكرت مستشارة الأزمات في المنظمة الدولية، دوناتيلا ريفييرا، في تصريحاتها.

وحين تنتقد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إجراءات محاكمة المجموعة وتصف قرارات إعدام أفرادها الستة والثلاثين بالتسرع وعدم كفاية الأدلة ضدهم، فإن ذلك يعني أن المحاكم العراقية غير نزيهة وأحكامها جائرة، وعلى المجتمع الدولي أن يتدخل ويوقف مهازلها التي راح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء منذ عام 2003 حتى يومنا الراهن.

ومن تابع قصص إلقاء القبض على هؤلاء الفتية المغدورين، وكيفية إلصاق تهم مشاركتهم في جريمة “سبايكر” التي اعترف تنظيم الدولة (داعش) بتبنيها وأظهرت مقاطع الفيديو التي نشرها، عناصره بأشكالهم الواضحة تماما، وهم يقودون الضحايا ويطلقون النار عليهم، لا يكفر بالقانون السائد في العراق فحسب، وإنما يحتقر الحياة في هذا البلد الذي تسلط عليه قضاة وسياسيون طائفيون وفاسدون، لا يعرفون الله ولا يفهمون في شيء اسمه العدل أو العدالة، وليست لديهم انتماءات آدمية ويفتقرون إلى أبسط القيم الإنسانية.

ومن شاهد لقطات تنفيذ الإعدام بهؤلاء الأبرياء التي عرضتها فضائية “العالم” الإيرانية والبعض من القنوات الشيعية، يلاحظ أنها تشبه طريقة إعدام الشبان الأحوازيين المناهضين لنظام الملالي. وإذا قارن وجوه وأعمار المعدومين، مع أشكال الدواعش وهيئاتهم كما ظهرت في مقاطع الفيديو التي وزعوها عقب اقتراف جريمتهم “السبايكرية”، فإنه يصل إلى نتيجة تؤكد أن المجرمين الفعليين أفلتوا من العقاب، واستعيض عنهم لشبان من أسر وعشائر عربية تصدت للإرهاب وقدمت تضحيات كبيرة شطبت عليها الأجهزة الأمنية ومحاكم مدحت المحمود، وحولتها إلى تهم ومحاكمات انتقامية لم تراع فيها أبسط المعايير القانونية، كما أجمعت منظمة العفو الدولية، ولجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

لقد جرى التحقيق مع هؤلاء الأبرياء في سرية بالغة، وأُحيلوا إلى المحكمة الجنائية دون معرفة ذويهم، وجرت محاكمتهم بطريقة غير مسبوقة وسط أجواء محمومة بحضور عدد من ذوي ضحايا “سبايكر” تم انتقاؤهم بعناية لأغراض التهييج الطائفي، بينما لم يبلغ أهالي المتهمين بموعد المحاكمة ومكانها، ولم يسمح لمحاميهم بحضورها، وهذه المعطيات موثقة لدى منظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وهيئات حقوقية وإنسانية أوروبية.

والمثير في الأمر، أن رئيس الحكومة، حيدر العبادي، الذي استاء من السرعة القياسية التي اتخذها مجلس قضاء مدحت المحمود في تبرئة رئيس البرلمان سليم الجبوري من تهم الفساد والابتزاز الموجهة إليه، لم يطرح ولو مجرد سؤال، عن طبيعة محاكمة 36 شابا، وكيفية إصدار أحكام الموت الجماعي ضدّهم، ولم يكلف وزير عدله بالاطلاع على سير قضيتهم في المحكمة متحججاً بأكذوبة فصل السلطات ومسرحية استقلال القضاء، رغم أن وزارة العدل في حكومته معنية بالأمر، بل إنه لم يتخذ إجراءات قانونية ضد رئيس ميليشيا اسمه أوس الخفاجي صرح، علناً، بأنه سينفذ إعدامهم بيديه إذا تباطأت الحكومة، وذهب بنفسه إلى سجن الناصرية ونشرت الصحف المحلية صورته وهو يُستقبل بحفاوة من مسؤولي السجن، ولم يتحرك المدعي العام الذي صمت صمت القبور، إزاء هذا الانتهاك السافر الذي كشف عن ضحالة القضاء العراقي وفضح أساليبه البعيدة عن الشرع والعدالة والإنصاف، ولم يستدع مجرد استدعاء هذا الميليشياوي، ويعاتبه على الأقل على تهديداته وهو شخص لا يمتلك صفة رسمية ولا يتولى موقعا قضائيا أو وظيفة أمنية أو عملا حكوميا، وتهديداته أثرت، بالفعل، على محكمة التمييز التي كانت تنظر في القضية في حينه.

وكان المفروض برئيس الجمهورية فؤاد معصوم وقد وصلته استغاثات أولياء أمر المحكومين وتوسلات أمهاتهم المفجوعات، واطلع على طريقة محاكمتهم المخالفة للقانون، أن يتريث في المصادقة على أحكام الموت العشوائية التي صدرت ضدهم، أو يؤجل موافقته عليها على أقل تقدير، وهذا من حقه الدستوري إذا ثبت أن لبساً وتسرعاً رافقا إجراءات التحقيق والمحاكمة في القضية، أو أثير حولها إشكال قانوني كما حصل لقضية الشبان المساكين، ولكنه هرول وبصم توقيعه على الأحكام الظالمة، وهو يدرك، مسبّقا، أنها قضية مسيسة من أولها إلى آخرها، ولا صلة تربط هؤلاء الأبرياء بـ“سبايكر”، لا من قريب ولا من بعيد.

لقد أصدر القضاء الفاسد حكمه بإعدام جماعي لشبان قالت منظمة العفو الدولية إن اعترافاتهم بالجريمة انتزعت قسرا، ولم يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم، ومُنعوا من تكليف محامين يدافعون عنهم، وهذه في المعايير القانونية والإنسانية جريمة تمثل وصمة عار في سجل محاكم مدحت المحمود، التي وصفتها لجنة حقوق الإنسان الأممية بأنها لم تستوف الشروط القانونية اللازمة في أحكامها، وخزياً لرئيس الجمهورية فؤاد معصوم الذي يدعي التدين والتصوف، وإهانة لرئيس الحكومة حيدر العبادي، الذي أوفد وزير عدله القانوني النحرير ليشهد حفل الإعدام المأساوي، والثلاثة يتحملون مسؤولية مقتل 36 شاباً، ذنبهم أنهم سنة عرب، ثم يطلع أحد البطرانين، ويدعو إلى مصالحة وطنية، ودماؤهم مازالت حارة و“إخوان سنة وشيعه.. وهذا البلد ما نبيعه” رغم معرفته بأن شباب البلد بيعوا المئات من المرات في أسواق النحر الطائفي، ومازالوا يُذبحون يوميا.

كاتب عراقي

8