دمج الأحزاب السياسية في ميزان المعادلة المصرية

المعادلة المصرية تحتاج إلى خطة لضخ الدماء في شرايين الفضاء العام، ليفرز أحزابا تعبر عن نبض الشارع. وكل تلقيح صناعي سوف يعيد تكرار التجارب السابقة التي ثبت فشلها في تشكيل وعي سياسي حقيقي.
الاثنين 2018/04/16
الاستفادة من الأخطاء أول طريق للتصحيح

كثرة الأحزاب ليست دليلا على العافية السياسية أو العكس. قلّتها لا تعني أن هناك فشلا يستوجب زيادتها. من ينظر إلى الخارطة الحزبية في دول كثيرة يجد هذا المعيار ينطبق على عدد كبير منها.

في الفترات الانتقالية والتحولات السياسية تزدهر الأحزاب. البعض يعتبرها كافية للإيحاء بالديمقراطية. آخرون يرون أنها وسيلة ترضية للساسة والنشطاء والقيادات الشبابية. حصلت بعض القوى على شرعية حزبية لم تكن تحلم بها لمجرد أن القائمين على الحكم رأوا أنها وسيلة جيدة لتحقيق مكاسب سياسية، وإضفاء طابع يبعدهم عن العداء للحرية.

الخارطة الحزبية بمصر شهدت تغيرات، صعودا أو هبوطا، وكل مرحلة لها خصوصية. الرئيس جمال عبدالناصر ألغى الأحزاب بعدما كانت منتعشة قبل ثورة 23 يوليو 1952، وله حساباته، ولم ترحمه إنجازاته الاجتماعية من وضعه في خانة الدكتاتورية.

جاء الرئيس أنور السادات وبعد خمس سنوات من حكمه وضع لبنة لأحزاب تم تلقيحها صناعيا، لم تؤثر في الحياة السياسية، لكن منحت الرجل ميزة نسبية تتماشى مع رغبته في تبنّي توجهات ليبرالية، لكنها لم تجعله ديمقراطيا.

عندما خلفه الرئيس حسني مبارك، مضت الأحزاب على وتيرة متوسطة. منح حرية أكبر لتكوينها واستوعب أطيافا مختلفة، ولم تحل القيود دون حصول بعض القوى على شرعية قانونية، منحت قدرا من الضجيج، أدت تراكماته إلى ارتفاع درجة الصخب ومهدت الطريق لإسقاط نظامه عبر ثورة شبابية.

عقب سقوط نظام مبارك، وقيام ثورة 25 يناير 2011، انفتحت الساحة على مصراعيها ونشأ أكثر من مئة حزب. كل جماعة سياسية تخندقت وشكلت هيكلها بما يناسبها. امتلك التيار الواحد أكثر من عشرة أحزاب. اليساريون بأطيافهم، والليبراليون بمشاربهم، والإسلاميون بتنويعاتهم، والشباب وأحلامهم، كانوا ركيزة هذا الكم الهائل من الأحزاب.

الفورة الحزبية التي شهدتها البلاد، لم تعبر عن مواقف أيديولوجية بصورة صحيحة. بدت كأنها موضة أو رغبة في استيعاب الكل داخل وعاء يتواءم مع الحماس الذي أفرزته ثورة يناير، وكشفت عن تعطش المصريين للسياسة.

بعد مضي سبع سنوات، حصلت فيها الكثير من القوى على رخص حزبية، لم تكن النتيجة مرضية. الجميع لا يمتلك قاعدة في الشارع تجعله رمزا لقوة سياسية. الأحزاب التي من المفترض أن تعكس رغبات المنتمين لها، تحولت إلى مقرات تخص قادتها.

موقفان حدثا في مصر خلال الفترة الماضية، أكدا أن كثرة الأحزاب ليست دليلا على الصحة السياسية. الأول انتخابات البرلمان عام 2016 وكانت نتيجتها أن نصف أعضاء مجلس النواب من المستقلين. والثاني انتخابات الرئاسة في مارس من العام الجاري، ولم يتمكن أي حزب من تقديم مرشح منافس للرئيس عبدالفتاح السيسي. وجرت الاستعانة برئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى لزوم الديكور السياسي.

في الانتخابات التي تلت ثورة يناير، على مستوى البرلمان ومستوى رئاسة الجمهورية، والتي شهدت تنافسا على الصعيدين، لم يكن الأساس الحزبي حاكما أو دليل قوة في الشارع، بل كان معبرا عن تطلعات ورغبات ارتبطت بالظـرف السياسي، لأن الأحزاب التي تنافست لم يعد لها تأثير في المرحلة التالية.

أهم صفة بالنسبة للأحزاب أن تكون معبرة بشكل واسع عن الواقع، وتعكس التجليات الحقيقية في الشارع

انتخابات رئاسة الجمهورية الأخيرة، كانت كاشفة لحجم الخواء. قد لا يتخيل كثيرون خارج مصر أن أكثر من مئة حزب لم تتمكن من تقديم مرشح واحد يستطيع منافسة السيسي، لكن المتابعين للحياة الحزبية لـم يستغربوا هـذا الغياب، لأنه إفراز منطقي لتجريف مستمر منذ سنوات طويلة.

الحالمون بحـياة حـزبية مستقرة في مصر، دعوا إلى دمج كل 10 أو 15 حزبا في ائتلاف أو حزب واحـد، أملا في تكوين خمسة أو ستة أحزاب رئيسية. والواقعيون يرون أن هذه الخطوة لن تضفي قوة على الحياة السياسية، لأن الأحزاب مرتبطة بالأشخاص وليس بالتوجهات. كل شخص اصطنع لنفسه حزبا ليجعل منه قائدا أو زعيما.

المحكات الرئيسية أكدت أن غالبية الأحزاب من الصفة الكرتونية. وهي كلمة يعبر بها المصريون عن الهشاشة، وأصبحت تستخدم كمرادف لعدد كبير من الأحزاب. منها من ضربته الانشقاقات وأجهزت على هياكله، ومنها من أصابه الشعور بالعظمة جراء الاقتراب من النظام فأهمل الأعضاء، ومنها من لحقت به لعنة الإخوان وربط مصيره بالجماعة، وتلاشى أو يكاد.

التوليفة السابقة لم تول اهتماما بالشارع، وأغفلت أن تجتهد لزيادة حضورها، ولم تعبأ من الأساس بهذه المسألة، ووضعت على عاتقها تحقيق أعلى مكاسب شخصية. الأهم أن المجال العام لم يمنح الفرصة للممارسة الحزبية.

البعض يرى أن سيطرة الأمن على مفاصل الحل والعقد داخل الأحزاب جعلها تموت سريريا وتفقد كل بريق سياسي لها. هناك من يعتقد أن الضعف الداخلي السبب في العقم الذي يلازم الحياة الحزبية، والأمن شماعة يستخدمها الساسة لتبرير تقاعسهم وعدم قدرتهم على التواصل مع قطاع عريض من الجمهور.

في كل الحالات، ثمة حالة مرضية تعيشها الأحزاب في مصر. الاندماج ليس وصفة سحرية يمكن أن يخرجها من غرفة العناية الفائقة للعيش بصورة طبيعية. هي تحتاج إلى ضخ المزيد من الأوكسجين السياسي الذي يمنحها قدرة على الحياة.

أهم صفة بالنسبة للأحزاب أن تكون معبرة بشكل واسع عن الواقع، وتعكس التجليات الحقيقية في الشارع، وتبتعد عن صناعة ظواهر مفتعلة للنشاط السياسي، للإيحاء بأن هناك حراكا ديمقراطيا.

انتهى زمن الخداع الذي استخدمه الرئيس أنور السادات، وخلفه حسني مبارك، لمغازلة الغرب أو للاقتراب منه. لم يعد ينطلي على كثيرين أن الأحزاب متآمرة أو رديف لقوى خارجية. كما أن الترويج لفكرة الشعوب غير الناضجة لا تصلح معها الديمقراطية فقد رونقه، لأن الدكتاتورية ليست بديلا مناسبا أو تملك عصا سحرية.

تهيئة البلاد لمسار سياسي صحيح، من الأولويات التي يجب أن يتم العمل عليها. الاندماج قد يكون مثيرا للاهتمام، لكنه ليس أكثر من وسيلة للهروب إلى الخلف. الطموحات التنموية التي تحملها المشروعات القومية من الضروري أن تتلازم معها خطوات للإصلاح السياسي.

المعادلة المصرية تحتاج إلى خطة لضخ الدماء في شرايين الفضاء العام، ليفرز بنفسه أحزابا تعبر عن نبض الشارع. كل تلقيح صناعي سوف يعيد تكرار التجارب السابقة المشوهة والتي ثبت فشلها في تشكيل وعي سياسي حقيقي.

إعادة إنتاج الأفكـار بطـرق مبتكرة لا تكفي للتدليل على العافية السياسية. والاستفادة من الأخطاء أول طريق للتصحيح. الاندماج لن يكون أكثر من وسيلة لشغل الرأي العام والتغطية على الجوهر الرئيسي للمشكلة، وهو عدم الاستعداد لتوسيع نطاق الحريات ورفع فيتو التضييق العـام، وإصلاحهما كفيل بإفراز شكل يتناسب مع تطلعات المواطنين إلى حياة حزبية عفية.

9