دمشق تحاول بلا جدوى إنقاذ النظام المصرفي المنهار

مخاوف من احتمال إفلاس البنوك الحكومية.
الثلاثاء 2021/05/18
الأسوأ لم يأت بعد

تزايدت علامات القلق على النظام السوري والجهات التي تقع على عاتقها حماية النظام المصرفي في البلاد بشكل كبير. وقد اتضحت معالمها مع المحاولات اليائسة للحكومة والسلطات النقدية، والتي يقول محللون إنها بلا جدوى ولا يمكنها إنقاذ القطاع المنهار أصلا.

دمشق - دخل القطاع المصرفي السوري في دوامة من الأزمات المالية تنبئ بأزمة أكبر تعيش على وقعها البنوك بعد انخفاض سيولتها وتفاقم نسبة القروض المتعثرة والمحتجزة لدى أفراد أو شركات امتنعت عن السداد لأسباب اقتصادية أو سياسية وزادت من متاعبه العقوبات الأميركية.

وناقشت اللجنة العليا لإصلاح القطاع العام الاقتصادي خلال اجتماع عقد مؤخرا برئاسة رئيس الحكومة حسين عرنوس مشروع قانون إدارة المصارف العامة، والذي يتضمن خططا لإعادة هيكلة القطاع بحيث يتلافى المشكلات المالية التي خلفتها الأزمة وعقوبات قانون “قيصر” الأميركي.

وفي ظل موجة الشكوك من أن دمشق تتكتّم عن مسألة إفلاس بعض البنوك بسبب نقص السيولة النقدية، تقول الحكومة إن مشروعها يهدف إلى تطوير عمل البنوك التابعة للدولة وتنظيم عمل القطاع المصرفي وخلق بيئة عمل تنافسية وتعزيز دور البنوك في عملية البناء والتنمية بما يدعم نمو الاقتصاد المترنح على وقع الأزمات.

حسين عرنوس: نريد تمكين البنوك الحكومية من آليات تدعم التنمية
حسين عرنوس: نريد تمكين البنوك الحكومية من آليات تدعم التنمية

ونسبت وكالة الأنباء السورية الرسمية إلى عرنوس قوله “نركز على آليات تمكين البنوك الحكومية من القيام بدور اقتصادي يتناغم مع السياسات الحكومية التنموية وتوجيه القروض نحو مختلف القطاعات التنموية ورفد البنوك بالكوادر المؤهلة وتأهيلها وتدريبها لتمكينها من القيام بمتطلبات المرحلة القادمة”.

وتم بحث آلية الرقابة المالية على القطاع المصرفي ونظام العاملين والعقود المتعلقة بالبنوك وضرورة تناغم قانون إدارة المصارف العامة مع قانوني المؤسسات العامة والشركات المساهمة وآلية تأليف الهيئات في البنوك والإشراف عليها من قبل مجلس النقد والتسليف والبنك المركزي إضافة إلى التعليمات التنفيذية لمشروع القانون.

وتشير تقارير إلى أن نسبة كبيرة من القروض المتعثرة تعود إلى رجال أعمال سوريين مقيمين في الخارج، ويمارسون أعمالهم الاستثمارية بنجاح، لكنهم يمتنعون عن سداد القروض المستحقة عليهم.

ولا يقتصر الأمر على رجال الأعمال المعارضين للنظام السوري أو المنشقين عنه، بل ينطبق أيضا ذلك بصورة أكبر على رجال أعمال معروفين بتأييدهم ودعمهم للنظام.

أما بالنسبة إلى البنوك التي تواجه مشكلة الديون المتعثرة، فقد أفادت معلومات تستند إلى تقارير للبنك المركزي، بأن خمسة بنوك كبيرة تابعة للقطاع العام، تواجه ديونا متعثرة تبلغ قيمتها نحو 227 مليون دولار، لكن بعض الملاحظين يرون أن الرقم قد يكون أكبر من ذلك بكثير.

وبلغت قيمة أصول البنوك الحكومية والخاصة في سوريا قبل اندلاع الثورة نحو 43 مليار دولار، وهو مبلغ ضئيل جدا مقارنة ببعض البلدان المجاورة، ومنها لبنان الذي كان حجم أصول بنوكه يتجاوز 120 مليار دولار في عام 2011، وقد ارتفع إلى نحو 150 مليارا بنهاية 2012 قبل أن يتقهقر اليوم بفعل الأزمة الخانقة.

وفي محاولة من النظام لحل المشكلة، أصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد في فبراير 2014 مرسوما يقضي بإعادة جدولة القروض والتسهيلات الممنوحة لأصحاب الفعاليات الاقتصادية للمشاريع السياحية والصناعية والتجارية وغيرها من النشاطات الاقتصادية، المتأخرين عن سداد التزاماتهم تجاه البنوك الحكومية حتى وقت صدور المرسوم.

وقد تم الإعفاء في ذلك الوقت من كامل فوائد التأخير والغرامات غير المسددة فقط إلى غاية تاريخ توقيع الجدولة، شريطة التأكد من توفر الضمانات وكفايتها وقدرة المدينين على السداد وعلى مسؤولية إدارة البنك المعني.

ولكن بعض خبراء المال والاقتصاد رأوا أن المرسوم وما يقدمه من إعفاءات لا يشكل حافزا لأصحاب الديون المتعثرة للإقدام على سداد ديونهم، وهو ما حصل بالفعل، لأن مشكلتهم متعلقة أساسا بالتضخم النقدي الذي لحق بالليرة جراء تدهور سعر صرفها مقابل العملات الأجنبية.

وطيلة سنوات الحرب، أصبح التضخم يأكل من كتلة الإيداع أضعاف ما يمكن أن يعوضه سعر الفائدة الذي لم يتجاوز في فترة من الفترة 11 في المئة بسبب فقدان الليرة لنحو ثلثي قيمتها منذ اندلاع الثورة.

كما أن مرسوم الإعفاء يشمل فقط الديون المتعثرة لدى البنوك المملوكة للدولة، وهي ضئيلة جدا مقارنة مع القروض المتعثرة لدى البنوك الخاصة والتي لا يشملها المرسوم.

وقدرت مصادر مصرفية القروض المتعثرة لدى البنوك  الخاصة بنحو 10 في المئة من إجمالي قروضها وبما يزيد على 1.66 مليار دولار. وبذلك يكون مجموع الديون المتعثرة نحو 1.09 مليار دولار.

القطاع المصرفي السوري

  • 23 بنكا بينها 6 حكومية و14 خاصة و3 بنوك إسلامية
  • 43 مليار دولار أصول البنوك السورية قبل 2011
  • 1.9 مليار دولار قروض متعثرة لجميع البنوك
  • 2.9 مليار دولار حجم الودائع في جميع بنوك البلاد
  • 45 مليار دولار حجم ودائع السوريين الأفراد في بنوك لبنان
  • 5 مليارات دولار حجم ودائع الشركات السورية في بنوك لبنان

وبحسب بيانات المركزي ينشط في البلاد 23 بنكا من بينها 6 بنوك حكومية و14 بنكا خاصا و3 بنوك إسلامية، وتضم مجتمعة ودائع بقيمة 7.4 مليارات ليرة (نحو 2.9 مليار دولار).

وألقت الاضطرابات اللبنانية وما تبعها من قيود اقتصادية بظلال قاتمة على جارتها بعد جفاف منبع الدولارات الأساسي للسوريين، الأمر الذي هوى بالليرة إلى مستويات قياسية.

ويعتمد الاقتصاد السوري، الذي تحجبه عقوبات غربية عن النظام المالي العالمي، على الروابط المصرفية مع لبنان للإبقاء على أنشطة الأعمال والتجارة منذ تفجرت الحرب.

وفي الوقت الذي فرضت في البنوك اللبنانية قيودا مشددة على سحوبات العملة الصعبة والتحويلات النقدية إلى الخارج مع بداية الأزمة اللبنانية في أكتوبر 2019، تعذر وصول أثرياء سوريين إلى أموالهم.

وتشير أرقام المركز السوري لبحوث الدراسات إلى أن إيداعات السوريين الأفراد في البنوك اللبنانية تبلغ 45 مليار دولار، إلى جانب خمسة مليارات دولار ودائع لشركات وبنوك سورية.

وكان المركزي قد أصدر في يناير الماضي، أوراقا نقدية من فئة 5 آلاف، ما خلف موجة انتقادات واسعة من اقتصاديين وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد اعتبر سوريون أن الخطوة تنذر بتأزم الوضع الاقتصادي في البلاد وستعزز من انهيار الليرة السورية، لافتين إلى أن النظام يعمل على سد العجز القائم في الميزانية عبر طرح أوراق نقدية جديدة.

لكن المركزي قال حينها، إن هذه الخطوة جاءت لتلبية توقعات احتياجات التداول الفعلية من الأوراق النقدية، وبما يضمن تسهيلا في المعاملات النقدية وتخفيضا في تكاليفها ومساهمتها بمواجهة آثار التضخم التي حدثت خلال السنوات الماضية، إضافة إلى التخفيض من كثافة التعامل بالأوراق النقدية بسبب ارتفاع الأسعار خلال سنوات الحرب.

وأدى تآكل النقد الأجنبي في سوريا إلى إضعاف قيمة الليرة بعد أن فاق الطلب العرض في ظل تدافع لشراء الدولار، مما ضغط على قيمة العملة المحلية ودفعها إلى التهاوي.

وبينما كان الدولار يساوي 47 ليرة قبل الاحتجاجات على حكم الأسد في مارس 2011 في اضطرابات أفضت إلى حرب مدمرة، يبلغ سعر العملة الأميركية اليوم قرابة 3400 ليرة في السوق السوداء.

وتشير التقديرات إلى أن الدين العام للبلاد ارتفع إلى نحو 208 في المئة نسبة إلى الناتج المحلي، وفقدت العملة المحلية نحو 97 في المئة من قيمتها على مدار عدة سنوات، إضافة إلى بلوغ معدلات البطالة في البلاد نسبة 42 في المئة.

11