دمشق تضيق على وسائل إعلام لا تروج لـ"انتصاراتها"

الأربعاء 2014/04/16
تقويض السلطات لبث قنواتها "الصديقة" دفعها إلى الانسحاب

بيروت – فرضت الجهات الأمنية في دمشق على وسائل الإعلام الأجنبية الموالية لها رقابة وتقييدا على نقل الأخبار من المناطق الساخنة، بعد أن أخذت السبق الصحفي من القنوات الرسمية السورية وكشفت ضعف الإعلام الحكومي.

تخلفت قناة “الميادين” عن نقل خبر استعادة القوات الحكومية السورية سيطرتها على بلدة معلولا الأثرية بريف دمشق، في تغطية مباشرة للحدث، ولم يظهر مراسلوها في بث مباشر من قلب المعركة، كما كان الحال دائما في تعاملها مع المناطق الساخنة في سوريا.

وظهر جليا للعيان ما حاولت وزارة الإعلام السورية نفيه مرارا وتكرارا خلال الأيام الماضية عن منعها لبعض القنوات غير السورية، من تغطية الأحداث في سوريا، وكانت أكدت أنها لم تمنع أية وسيلة إعلامية معتمدة من تغطية الحرب على سوريا، بل كل الأمر أنها طلبت من هذه القنوات أخذ الإذن للسماح بتغطية الأخبار الميدانية الحربية مثلها مثل وسائل الإعلام السورية قطعا لدابر الفوضى، وحماية للإعلاميين واحتراما لبيئة عمل الجيش السوري، حسب الوزارة.

وسحبت قناة “الميادين” مراسلتها من دمشق، وأوقفت بث برنامج “حديث دمشق”، وذلك بعد سلسلة الإجراءات الجديدة التي اتخذتها وزارة الإعلام والأجهزة الأمنية الرسمية، بحق وسائل الإعلام الأجنبية.

وتضاربت الأنباء حول أسباب تجديد سلطات دمشق فرض تدابيرها الأمنية على وسائل الإعلام الأجنبية. وبينما تشير معلومات إلى أن النظام السوري أراد “وضع حد للتغطيات التي لا تتناسب مع سياسته”، أشارت معلومات أخرى إلى أن الخطوة جاءت على ضوء مطالب وسائل الإعلام الرسمية بـ”تقويض” سرعة وصول وسائل الإعلام الأخرى إلى الحدث.

ويبرز حديث آخر عن رغبة السلطات في إعادة الهيبة إلى قنواتها الرسمية، بعدما نقل التلفزيون السوري خبرا من القلمون، عن قناة “الميادين”، وهو ما اعتبر “فضيحة للتلفزيون السوري”. كما بثّ تلفزيون “المنار” صورا حصرية لكمين العتيبة، بريف دمشق، الذي ذهب ضحيته نحو 170 مقاتلا معارضا، فيما لم يبث التلفزيون السوري تلك الصور، كي لا تُنقل عن “المنار”.

وتداولت بعض مواقع التواصل الاجتماعي على لسان “بثينة شعبان”، المستشارة السياسية والإعلامية لبشار الأسد، انتقادا لما وصفته بوسائل إعلام صديقة، قائلة “إنها تبث تقارير توحي بأن سوريا لم تكن لتصمد لولا دعم دول وأحزاب معينة”.

للمنع بعد أكبر من ترضية القنوات المحلية إذ يتعذر إخضاع مشاهد النقل المباشر للقيود التي يفرضها الرقيب الأمني

فيما نفت شعبان أن تكون تلك التصريحات لها وأنها لم تنشئ صفحة على موقع الفيسبوك، واعتبرت أن الهدف من وراء نشر تصريحات كهذه هو خلق بلبلة في العلاقة. ووجدت الفرصة ملائمة لكيل الاتهامات للقنوات التي تناقلت الخبر ووصفتها بالمضللة.

ويبدو أن تقويض السلطات الأمنية السورية لبث قنواتها “الصديقة” المباشر، دفعها إلى الانسحاب من أكثر المناطق العربية سخونة.

لكن تقارير إخبارية ذكرت أن قناة الميادين اعترضت على إلزامها بالمرور في فرع الأمن السياسي، قبل التوجه إلى الميدان، للحصول على الإذن بالتصوير والبث المباشر، الذي يخضع لمعايير أمنية وسياسية جمة داخل البلاد، من شأنها أن تعيق الوصول إلى الحدث، ثلاث ساعات على الأقل.

واعترضت القناة على تفعيل القرار السابق، وإلزامها به، كما سائر القنوات الصديقة والمحايدة والأجنبية التي لا تزال تعمل في دمشق. وسحبت القناة مراسلتها من دمشق، وأوقفت برنامج “حديث دمشق”، كما خففت عدد طاقمها العامل في البلاد.

لكن هذه الخطوة لم تلغ التغطية للأحداث داخل سوريا وسرت أنباء بأن وزير الإعلام السوري عمران الزعبي، اتصل برئيس مجلس إدارة القناة غسان بن جدو للتخفيف من وقت تفعيل الإجراءات، مؤكدا أن تفعيلها خاضع لإجراءات تنظيمية. ومع ذلك، غاب بث القناة المباشر منذ عشرة أيام عن الحدث الميداني.

وضاح عبد ربه: "لا يجوز انتقاد إعلام قدم شهداء لأن هناك من أزعجه هذا الإعلام"

فالمحطة التي تسعى لأن تكون مصدرا للخبر في أربعة بلدان عربية ساخنة على الأقل، هي مصر وسوريا والعراق وتونس، تولي أهمية بالغة للشأن السوري. والمنافسة في الميدان السوري، محصورة مع “المنار” التي طالها المنع أيضا، والإعلام الرسمي، الذي يعاني ما يعانيه من عدم المصداقية والتهويل والتضخيم.

وظن البعض أن هذا الموقف يعود إلى تذمّر القنوات السورية الرسمية والخاصة التي فقدت العديد من كوادرها خلال التغطيات، دون أن تتمكن من التفرد بنقل أية وقائع هامة، بسبب خضوعها لقيود إدارية وأمنية محكمة، بينما تتسم التعاملات مع القنوات اللبنانية بالمرونة والتساهل، وتتحلى بدور أسرع وأكبر في التحرك والوصول إلى موقع الحدث.

ولكن من جهة أخرى، حسب المراقبين، فإن للمنع بعدا أكبر من ترضية القنوات المحلية، وهو البعد الأمني، إذ يتعذر إخضاع مشاهد النقل المباشر للقيود التي يفرضها الرقيب الأمني، فلا يستطيع حذف اللقطات غير المناسبة، التي تخدش الصورة النمطية لدعاية النظام، ومثال تلك اللقطات، التدمير الهائل لمباني المواطنين بفعل قصف قوات النظام.

بدوره رئيس تحرير صحيفة “الوطن” السورية الخاصة، وضاح عبد ربه، حاول رد الهجوم على الإجراءات مرددا اللازمة عما قدمه الإعلام السوري من تضحيات و” شهداء” في أرض المعركة. ويقول إنه لا يوافق على منع البث المباشر لقناتي “الميادين” و”المنار” وأية قناة أخرى “نتقاسم معها المسار والمصير” حسب قوله، لكنه يرفض اتهام كل الإعلام السوري بالتقصير وارتكاب الأخطاء. ويضيف :”وفي جميع الأحوال لا يجوز انتقاد إعلام قدم شهداء وحُرم حقه في استيراد ورق للطباعة أو امتلاك تقنيات البث الحديثة، لأن هناك من أزعجه هذا الإعلام، فقرر الانتقام منه”.

وقد تردد أن شظايا هذه الأزمة طالت وزير الإعلام السوري، عمران الزعبي، إذ نشرت بعض المواقع الإخبارية أنه تلقى توبيخا شديدا من جهات أمنية، ومن المرجح أن يتم احتواؤها بطريقة ما، لأن كلا الطرفين لا يزالان يعتبران نفسيهما في خندق واحد.

18