دمشق تفرض حالة طوارئ في أسواق الصرف

المركزي السوري يقرر إغلاق 14 شركة صرافة في محاولة لوقف نزيف العملة المحلية.
الأربعاء 2020/01/22
تعاملات مطاردة من قبل الدولة

لجأت الحكومة السورية إلى آخر العلاجات لإنقاذ الاقتصاد المشلول باللجوء للإعلان عن حالة “طوارئ اقتصادية” في أسواق الصرف، في محاولة يائسة لوقف نزيف خسائر قيمة الليرة أمام الدولار، التي تكبدتها في الأسابيع القليلة الماضية، وهو ما زاد الضغوط على المواطنين بشكل لا يطاق.

دمشق - كشفت تحركات السلطات السورية لدعم العملة المحلية، التي انحدرت قيمتها بشكل غير مسبوق في الفترة الماضية أمام الدولار، عن مدى الأزمات المزمنة التي تطوّق الاقتصاد المحلي.

وفي خطوة هي الأولى من نوعها منذ أن سقطت الليرة في حفرة عميقة قياسيا بما كانت عليه قبل تسع سنوات، أصدر البنك المركزي الثلاثاء قرارا يقضي بإغلاق 14 شركة صرافة “لم تؤد الدور المطلوب منها في الفترة السابقة في دعم استقرار” الليرة.

ولم يشر المركزي بالتحديد إلى تلك الشركات، لكنه ذكر في بيان نشره على موقعه الإلكتروني أن “القرار تضمّن حرمان هذه المؤسسات من ممارسة نشاطها لغاية الـ30 من أبريل المقبل”. وأوضح أن “هذا الإجراء يأتي نتيجة حرص المصرف على ضبط السوق ومنع التلاعب بسعر الصرف”.

وقالت الصحافة المحلية إن المركزي بصدد إعادة النظر بالجدوى الاقتصادية وبفعالية استمرار شركات الصرافة كافة بناء على الدور المنوط بكلّ منها في دعم الاقتصاد السوري والتعاملات المالية وتعزيز الثقة بالليرة.

وشهدت الليرة في الأسابيع القليلة الماضية انخفاضا قياسيا، وبات الدولار في السوق السوداء يعادل أكثر من 1200 ليرة لأول مرة في تاريخها، فيما لا يزال سعر الصرف الرسمي عند 434 ليرة. وقبل اندلاع النزاع السوري في مارس عام 2011 كان الدولار يساوي 48 ليرة سورية.

وتسارع انهيار العملة السورية مع انغلاق نوافذ تمويل دمشق، إذ أدت أزمة السيولة والانتفاضة الشعبية في لبنان لانقطاع تدفق الدولارات، في وقت تلاشت فيه قدرة إيران المختنقة بالعقوبات الأميركية على مساعدتها.

وفي تجسيد واضح عن عمق أزمة الاقتصاد السوري، ألغت مؤسسة الحبوب الحكومية بالتزامن مع قرار المركزي مناقصة دولية لشراء 200 ألف طن من القمح الليّن للتوريد من روسيا.

700 مليون دولار احتياطات العملة الصعبة بعد أن كانت عند 18 مليار دولار قبل 9 سنوات

وكانت مصادر قالت لوكالة رويترز الاثنين الماضي إن المؤسسة السورية العامة لتجارة وتصنيع الحبوب لم تشتر أيضا في مناقصة منفصلة مئتي ألف طن من القمح الروسي أُغلقت في الـ18 من ديسمبر الماضي.

ويعكس انخفاض قيمة الليرة مدى انهيار الاقتصاد نتيجة تقلّص المداخيل والإيرادات وانخفاض احتياطي القطع الأجنبي في ظل خضوع دمشق لعقوبات اقتصادية أميركية وأوروبية تفاقم اختناقها الاقتصادي.

ويقول تجار في دمشق وحتى في المحافظات الأخرى إن أسعار السلع والخدمات تضاعفت مرتين خلال آخر شهرين من 2019، وهو ما أجبر الجميع على التأقلم مع تقلبات السوق المحلية.

والأحد الماضي، أوردت حسابات الرئاسة على الشبكات الاجتماعية أن بشار الأسد أمر “بتشديد عقوبة كل من يتعامل بغير الليرة كوسيلة للمدفوعات أو لأيّ نوع من أنواع التداول التجاري أو التسديدات النقدية، سواء أكان ذلك بالقطع الأجنبية أم بالمعادن الثمينة”.

وتعكس خطوة تشديد العقوبات بحق كل من يتعامل بغير الليرة، الذي جاء في مرسوم تشريعي، حجم الأزمة المالية العميقة بعد انهيار العملة المحلية.

ويؤكد محللون أن الأوضاع المالية لدمشق باتت محاصرة ولم يعد أمامها أيّ منفذ للتحسن بعد انقطاع أكبر مصادر تمويل دمشق مع توقف تهريب العملة الصعبة من لبنان والدعم من إيران الغارقة بدورها في أزماتها الخانقة.

وأعلن رئيس الوزراء عماد خميس الأحد الماضي خلال جلسة أمام نواب البرلمان أن حكومته ستصدر قريبا قرارات لضبط ومراقبة الليرة لتبقى في عهدة المصارف الحكومية المعنية.

تواصل انحدار العملة السورية
تواصل انحدار العملة السورية

وقال حينها إن “هناك حزمة قرارات اقتصادية مهمة تجري دراستها من قبل اللجنة الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء لدعم الليرة ومكافحة المضاربة التي تتعرض لها بالتوازي مع دعم الإنتاج في القطاعات الزراعية والصناعية وتوفير المواد الأساسية للمواطنين بالأسعار والجودة المناسبين”.

وأشار إلى أنه سيتم توسيع قائمة المواد المدعومة خلال الأيام القادمة، لتشمل مواد جديدة. وقال إن “العمل مستمر على دعم دور مؤسسة التجارة الخارجية لاستيراد هذه المواد”.

ويأتي تدني قيمة الليرة تزامنا مع تشديد العقوبات الغربية على البلاد، فيما تسعى دمشق إلى التخفيف من وطأتها من خلال محاولات يائسة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية.

وجرى تشديد العقوبات الأميركية والأوروبية منذ نوفمبر 2018 ليشمل رجال أعمال سوريين مقربين من الأسد وغير الأميركيين الذين يتعاملون مع دمشق، ما ردع الشركات الدولية عن الاستثمار في إعادة الإعمار بعد الحرب، ما دام الأسد متمسكا بالسلطة.

ويؤكد رجال أعمال محليون أن العملة تعرضت لضغوط شديدة خلال الفترة الماضية بعدما تخلى البنك المركزي إلى حد بعيد عن جهوده في الأشهر الأخيرة لدعم قيمة الليرة من أجل حماية احتياطاته النقدية الأجنبية المتبقية.

ورغم تلك المحاولات، أصبحت دمشق مضطرة للاعتماد على الاحتياطات النقدية البالغة 700 مليون دولار فقط، بحسب ما تشير إليه التقديرات بعد أن كانت عند مستوى 18 مليار دولار مع بداية الأزمة.

11