دمشق تلجأ للبطاقة الذكية لتقنين المواد المدعومة

الحكومة السورية تبدأ استخدام نظام “البطاقة الذكية” في بيع عدد من المواد الغذائية الأساسية المدعومة.
الاثنين 2020/02/03
بحثا عن حد الكفاف

أجبرت الأزمة المالية الخانقة دمشق على البحث عن سبل تقنين دعم المواد الأساسية في ظل السقوط الحر لقيمة الليرة وانغلاق جميع منافذ التمويل التي كانت تحصل عليها من إيران ومن تهريب العملة من لبنان.

دمشق - بدأت الحكومة السورية باستخدام نظام “البطاقة الذكية” في بيع عدد من المواد الغذائية الأساسية المدعومة في ظل أزمة مالية خانقة تشهدها البلاد الغارقة في الحرب منذ نحو تسع سنوات.

وقالت وزارة التجارة وحماية المستهلك في صفحتها على موقع فيسبوك إنها “بدأت العمل في جميع صالات ومنافذ البيع بالمؤسسة السورية للتجارة في المحافظات ببيع المواد الغذائية كالسكر والأرز والشاي عبر البطاقة الإلكترونية”.

وذكرت أن نحو 6841 أسرة استفادت من هذا النظام إلى حدود منتصف الأحد حيث تحاول الوزارة تجاوز تداعيات انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الأوضاع الاحتجاجية في لبنان وتراكم متاعب طهران الاقتصادية.

وسجلت الليرة خلال الشهر الماضي انخفاضا قياسيا، وبات الدولار في السوق السوداء يعادل أكثر من 1200 ليرة لأول مرة في تاريخها، فيما لا يزال سعر الصرف الرسمي عند 434 ليرة. وقبل اندلاع النزاع السوري في مارس عام 2011 كان الدولار يساوي 48 ليرة سورية.

وأودى انهيار العملة المحلية بمعظم المواد الغذائية والتموينية، ومن بينها السكر والأرز واللحوم وحليب الأطفال وغيرها إلى ارتفاع قياسي في الأسعار، في وقت ترزح الفئة الأكبر من السوريين تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة.

وفي محاولة منها لردم الفجوة الناتجة عن تشديد العقوبات على تصدير النفط إلى سوريا ألحقت الحكومة المحروقات والوقود بنظام البطاقة الذكية.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية لإبراهيم سعد وهو موظف في شركة للمواد الغذائية ودخله محدود قوله “رسمت مع زوجتي جدولاً، حددنا فيه الكميات المخصصة لنا من المازوت والبنزين والأرز والسكر والأيام التي يجب أن نذهب فيها للحصول على الكميات المدعومة”.

وأضاف “قبل الحرب، كان بإمكاننا شراء أي شيء والآن صار الأمر معقدا”.

الحكومة السورية وضعت سقفا لتوزيع المواد الغذائية المدعومة عبر البطاقة الذكية لتجاوز تداعيات انهيار الليرة
الحكومة السورية وضعت سقفا لتوزيع المواد الغذائية المدعومة عبر البطاقة الذكية لتجاوز تداعيات انهيار الليرة

وفي خضم ارتفاع شكاوى المواطنين تستميت الحكومة السورية في تبرير تحديد سقف لتوزيع المواد الغذائية المدعومة بقولها إنها ”تحاول توفير المواد الغذائية ومنع الاحتكار”.

ولكن الخطوة تثير امتعاض المواطنين بسبب الانتظار في طوابير للحصول على المحروقات، في ظل تدهور المستوى المعيشي الذي تخطى معه سعر صرف الدولار في السوق السوداء عتبة الألف ليرة مؤخراً، بعدما كان يعادل 48 ليرة قبل اندلاع النزاع عام 2011.

ويقول المحلل الاقتصادي عمار يوسف أن الحكومة “تحاول تحقيق دعم لكمية محدودة من بعض المواد الغذائية، لكن هذا الدعم لا يحقق توفيراً كبيراً للمواطن”.

ويضيف “يحتاج الاقتصاد السوري لإعادة هيكلة بما يتناسب مع الأزمة الاستثنائية التي يمرّ بها” حيث إن هناك صعوبات لا يمكن لأحد أن ينكرها تتعلق بتأمين النقد الأجنبي للاستيراد والعقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على الحكومة السورية والتي يتأثر بها المواطن بشكل مباشر.

ويعتبر المسؤولون السوريون أن العقوبات الاقتصادية الغربية أنهكت البلاد إضافة إلى حرب عسكرية طاحنة منذ مطلع 2011، تسببت في مقتل أكثر من 380 ألف شخص وألحقت دمارا هائلا بالبنى التحتية والقطاعات المنتجة وأدت إلى نزوح وتشريد الملايين من السكان

ويرى محللون الأوضاع المالية للحكومة السورية في حفرة مغلقة ولم يعد أمامها أي منفذ للتحسن بعد انقطاع أكبر مصادر تمويل دمشق مع توقف تهريب العملة الصعبة من لبنان والدعم من طهران الغارقة في أزماتها.

ويرى خبراء أن الأوضاع في لبنان فاقمت من أزمات العملة المحلية التي سارعت إلى الانهيار، حيث يودع التجار السوريون الملايين من الدولارات في المصارف التي فرضت قيودا مشددة على عمليات السحب في ظل أزمة سيولة حادة.

ويأتي تراجع قيمة الليرة السورية بعد أزمة وقود حادة شهدتها مناطق سيطرة القوات الحكومية خلال الصيف، وغذتها العقوبات الأميركية على إيران بعدما توقف منذ عدة أشهر خط ائتماني يربطها بطهران لتأمين النفط بشكل رئيسي.

وتشير التقديرات إلى أن الليرة السورية خسرت أكثر من 40 بالمئة من قيمتها منذ بدء الحراك الشعبي في لبنان ضد الطبقة السياسية في 17 أكتوبر الماضي. ويرى محللون أن الأزمات الاقتصادية في سوريا تتفاقم بوتيرة أسرع مما يحدث في لبنان منذ بدء الاحتجاجات.

ويجمع المراقبون على أن الأزمة المالية اللبنانية قطعت أحد أهم مصادر تمويل الحكومة السورية، بعد ارتباك عمل المصارف ومكاتب الصرافة وفرض قيود على حركة الأموال إلى الخارج.

وكانت تقارير محلية قد تناولت في السنوات الماضية ظاهرة دخول كميات كبيرة من العملة السورية لسحب الدولارات من السوق اللبنانية لتمويل حاجات الحكومة السورية التي تعاني من أزمات مالية عميقة بسبب العقوبات الدولية.

كما تفاقمت أزمة تمويل الحكومة السورية بسبب اختناق الاقتصاد الإيراني بالعقوبات الأميركية، حيث انهمكت طهران بأزماتها العميقة وانفجار الاحتجاجات، ولم تعد قادرة على مساعدة دمشق ولا حتى تزويدها بالنفط الخام.

ويعكس انخفاض قيمة الليرة مدى انهيار الاقتصاد نتيجة تقلص المداخيل والإيرادات وانخفاض احتياطي العملة الأجنبية في ظل خضوع الحكومة السورية لعقوبات اقتصادية أميركية وأوروبية تفاقم اختناقها الاقتصادي.

وتسود حالة من السخط الشعبي على المواطنين السوريين بسبب بطء الإصلاحات الاقتصادية وتدحرج البلد نحو منحدر الأزمة في ظل استمرار جبهات الصراع والحاجة الملحة إلى إيرادات ضخمة لإعادة تهيئة البنى التحتية وإعمار البلد المنهك جراء ما يقارب عقدا من الزمن في الحروب.

11