دمشق لم تعد كما هي في مسلسلات البيئة الشامية

الثلاثاء 2014/07/22
"باب الحارة" تشويه لتاريخ سوريا طال حتى الأزياء

سخط شديد واستنكارات عديدة من السوريين، عمّت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب ما تطرحه مسلسلات البيئة الشامية وفي مقدمتها مسلسل “باب الحارة” في أجزائه الستة، من أخطاء تاريخية وصفها بعضهم بأنها وصلت إلى حدّ التشوّهات. فضلا عن تواجد شيء من اللامنطق قد يبدو في كثير من الأحيان مقصودا، مهمته التأثير على الشريحة البسيطة من أبناء المجتمع، بهدف التخدير أو بهدف التشويه.

كمواجهة أولى انتشرت على موقع “الفيسبوك” صور لحقيقة الشام وأهلها وأناسها، من الحقبة الزمنية التي يحكي عنها مسلسل “باب الحارة”، ليظهر كم هي المفارقة كبيرة، بين ما كان عليه الأمر في بدايات القرن الماضي بمدينة دمشق، وبين ما هو عليه اليوم في تلك الحارة المنغلقة على نفسها شكلا ومضمونا ضمن الدراما المقدمة لنا. هي ليست مفارقة فحسب، بل هي خطأ تاريخي لا يغتفر، ويجب ألا يمرّ مرور الكرام، وأن يتم البحث عن أسبابه وآلياته واقتطاعه من المشهد الدرامي الحالي.

من بين الصور التي يمكن ذكرها، صورة للسيدات السوريات اللواتي أنشأن المشفى السوري في سان باولو عام 1921، والتي تمّ نشرها رغبة من السوريين في إلقاء الضوء على الدور الذي لعبته المرأة السورية قديما، حيث كانت جزءا لا يتجزأ من بناء المجتمع السوري، وليست مجرّد كائن ثرثار يتخفى وراء الأبواب خوفا من العار والفضيحة، وأنها تضرب وتعنف كما البهائم، وتعترف بكونها مجرد ضلع قاصر تأتي في الدرجة الثانية بعد الرجل، ولا رأي لها من بعد رأيه وقراره.

وعن صورة المرأة كما يتمّ تجسيدها دراميا، يقول فؤاد حسن، مدرب المسرح التفاعلي وخريج المعهد العالي للفنون المسرحية: “إن هذه المسلسلات تساهم في نشر قيم سيئة في المجتمع حاليا، حيث تسوّق لدور ثانوي للمرأة في البيت، وفيها المرأة القوية إما عانس أو أرملة أو ذات دور كوميدي كاريكاتوري”.

يضيف حسن: “كذلك فهي تنشر صورة ذات أثر سلبي لتعدّد الزوجات، حيث تنفي مسؤولية الرجل في هذا الأمر، وتجعله مسؤولية الزوجة الثانية التي توقع الزوج في حبائلها، والمشاكل بين الزوجات هي أيضا مسؤولية إحدى الزوجات، كما ترسل رسالة سيئة لحالة الحب”.

وأما الرجل صاحب العنتريات والشوارب المفتولة، والذي يعاني كل ممثل يجسّد دوره من صعوبات عند محاولة تضخيم الصوت لضرورة إحداث “الجعجعة” البطولية في مواقفه ممّا تستدعي فعلا الاستهزاء والضحك. فتراه حين يضرب المرأة ويحتقرها في معاملته لها، يسعى دائما إليها، ليسمع لثرثرتها وهي “تزنّ” برأسه بخبث، فيتورط في الشر رغبة منه في السلطة.

يسترسل حسن: “وهنا، وللأسف ثمة تحجيم وتقليص كبير لمفهوم السلطة، يستدعي بدوره الضحك والاستهزاء، كونه يتجسّد فقط بـ”زعامة الحارة”. لتمسي هذه المسألة وكأنها الشغل الشاغل لكل كبير أو صغير، رجلا كان أم امرأة، في حارة صغيرة”.

تشوهات كثيرة في ذهن المشاهد العربي، والمثقفون يستعيدون حقيقة الشام القديمة من خلال الصور

على الجانب الآخر، يعتمد القائمون على أعمال البيئة الشامية، على حساسية مفهوم الاحتلال بالنسبة للمشاهدين العرب، فيقحمون مقاومة الاحتلال الفرنسي ضمن الحبكات الدرامية إقحاما. آخذين الأمر من خلال حارة واحدة فقط، وكأن فرنسا بجبروتها في ذلك الوقت، لم تستطع مجابهة حارة تضمّ ما يقارب الـ20 رجلا أو أقل، بعتادهم البسيط.

مع التركيز على أن الثوار السوريين الذين قاتلوا ووقفوا في وجه الاحتلال الفرنسي، هم ذاتهم أصحاب العنتريات الذين يهينون المرأة، غير المثقفين وغير المتعلمين، الشيء الذي يجعلنا نتهم مسلسلات البيئة الشامية، بابتعادها عن الصورة الأجمل والحقيقية لدمشق، حيث أن مفهوم المقاومة ارتبط فعلا وقتها بالثقافة والفكر، وللمرأة فيه دورها الرئيسي.

ويرى الفنان والمصمم الجرافيكي محمد سيدا، أن الكثير من مسلسلات البيئة الشامية التي تعرض على القنوات الفضائية العربية ومنها مسلسل “باب الحارة”، لا تمت للواقع بصلة، فهي خارج التاريخ لا المنطق موجود فيها ولا الدين حتى، فضلا عن تشويهها لصورة الشام الحقيقية، مقتصرة على بضع ثيمات تنتج عناصر رئيسية مثل الأكل، والنساء الغشيمة وعنتريات فارغة على صيغة “شكلين ما بحكي”.

ويعلّق الفنان والمصمم أسامة الحرك، أن هذه الظاهرة، منذ أن بدأت قبل سنوات عديدة، لم تكن مجرّد ظاهرة عبثية، بل كانت من ورائها محاولة جادة للتأثير على كل المشاهدين الجالسين وراء شاشات التلفاز الذين يتابعون بإصغاء تامّ، ما من شأنه أن يقلل من شأن التاريخ السوري، فكرا وثقافة.

أيضا ثمة تشوّه من نوع آخر، يبينه فؤاد حسن في إضاءته على أن الدراما التلفزيونية الشامية تقوم بتشويه تاريخ سوريا على عدة مستويات أبسطها على مستوى الأزياء، فأزياء الرجال الدمشقية لم تكن بهذا التعقيد والزركشة والتنوع والألوان. كانت ببساطة عبارة عن السروال والصديري والقميص والكوفية البيضاء والحمراء أو البيضاء والسوداء، والطاقية البيضاء، أو القمباز مع الكوفية والطاقية.

16