دمشق.. مفتاح الأزمة السورية

يعتبر تحليل استراتيجي صدر مؤخرا عن مجموعة الشرق الاستشارية (ميدل ايست بريفينغ) أن نقطة البداية لحل الأزمة المتواصلة في سوريا منذ أربع سنوات يجب أن تكون من العاصمة المركزية للدولة السورية دمشق، لتجنب تكرار ما حدث في ليبيا أو العراق. ويتوقف التقرير عند الدور الذي يمكن أن يلعبه توحيد قوى بين شخصيات وعائلات علوية وسنّية بارزة في دمشق من أجل توفير نوع من الدعم الشعبي.
الجمعة 2015/07/10
بشار الأسد غير قادر على إقناع العلويين بمد قواته المسلحة بمجندين جدد

دمشق - تتمثل المشكلة الرئيسية مع “الاستراتيجية المقترحة” التي تم عرضها مؤخرا حول الأزمة السورية، في التوصية بإنشاء مناطق آمنة، حيث بدا وكأن هذه المنطاق ستمنح للمعارضة السورية دون تغيير فعلي في الوضع القائم.

وتعود الدوائر الاستراتيجية، في كل مرة، إلى نفس الطلبات السابقة التي تقترح إرسال قوات أميركية ولو بأعداد محدودة، وخلق جيوب تكون أكثر قدرة على البقاء والحكم داخل سوريا. لكن هذه الحلول، وفق تقرير صدر حديثا عن مجموعة الشرق الاستشارية، تبقى قاصرة، وككل مرة ينتهي أي تحليل لطبيعة الأزمة السورية مع نفس السؤال: من أين تكون البداية؟

والبداية، وفق المجموعة، المعنية بشؤون الشرق الأوسط وتتخذ من واشنطن مقرّا لها، تكون من دمشق. فدمشق ليست عاصمة “الدولة السورية” فحسب، بل هي أيضا المكان الذي يعيش فيه سويا سوريون من مختلف الخلفيات العرقية والطائفية. بالإضافة إلى ذلك هي مركز ملموس للمفهوم المجرّد لسوريا موحدة حتى وإن كان من الصعب الحديث عن سوريا موحدة في الوقت الحاضر.

ومن دمشق يتأكد أن سوريا كبلد لم تنته بعد، حيث أن خزّان الشعور بالوطنية بين السوريين ما يزال متدفقا. ولا ينبغي إعلان الهزيمة قبل أن يتم تجريب كل السبل الممكنة لإنقاذ سوريا من شياطين الداخل ومن جهود القوى الخارجية المتهورة لخوض الحروب من أجل السوريين.

ولكن ماذا يعني بالضبط “جعل دمشق نقطة الانطلاق؟”، هذا يعني أنه ينبغي الانطلاق من الحكومة المركزية. وفي محاولة لإعادة مفهوم هذه الحكومة يجب الحفاظ على هيكلة الجيش الوطني والأمن السوري مع كل وظائف الحكومة المتبقية، حتى وإن كانا حاليا غير مركزيين ولا حكوميين. وبعبارة أخرى، عدم البدء من دمشق يعني التخلي عن مفهوم الحكومة المركزية في سوريا بشكل تام.

العديد من الضباط العلويين السوريين قلقون جدا لأنهم يرون الانهيار البطيء للنظام يحدث أمام أعينهم

ولكن الحفاظ على هذا المفهوم في الوقت الحاضر يمكن أن تدعمه الوقائع على الأرض. قد يكون هذا صحيحا، على الأقل في أجزاء كبيرة من سوريا. ومع ذلك، وإذا كان النقاش حول استراتيجية لحل الأزمة السورية يبدأ من دمشق، سيكون من الممكن من الناحية النظرية الحفاظ على الدولة ووظائفها.

ومن شأن هذا المبدأ التنظيمي توعية النقاش حول المركزية لتجنب تكرار ما حدث في ليبيا أو العراق. في بغداد، تم تفكيك الحكومة المركزية في متابعة لفكرة ساذجة حول إقامة نظام ديمقراطي مفروض من الخارج. أما ما يحدث في ليبيا فلا يمكن أن يعتبر ديمقراطية أبدا. وإذا ما تم إهمال دمشق في أي نقاش حول سوريا، فإن أي حلّ سيتوه من شمال سوريا إلى جنوبها، وبالتالي ستؤثر سلبا على مركزية الحكومة وجميع وظائفها.

ومن الناحية العملية، تستند فكرة الانطلاق من دمشق على تطورين محددين: الأول مرتبط بالمجتمع العلوي، ويستند الثاني على آراء بعض الشخصيات المعارضة البارزة في الجبهة الجنوبية.

نظام الأسد يفقد أنصاره العلويين

كل متابع لما يجري في سوريا، في الوقت الراهن، يعرف أن المجتمع العلوي غير هادئ حاليا. ويسود اعتقاد بين شخصيات وأسر علوية بارزة أن الأسد قد أخذ المجتمع كله إلى طريق مسدود. وباتت الطائفة العلوية غير متأكّدة من مستقبلها في سوريا.

الأمم المتحدة: عدد اللاجئين السوريين تخطى 4 ملايين
جنيف - أعلنت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن عدد اللاجئين السوريين تخطى أربعة ملايين، بينهم مليون هربوا من سوريا خلال الأشهر العشرة الأخيرة، في ظاهرة وصفها رئيس المفوضية انطونيو غوتيريس بأنها "أكبر مجموعة من اللاجئين جراء نزاع واحد خلال جيل".

وأوضحت المفوضية أن القسم أكبر من اللاجئين السوريين يقيم في دول الجوار، مشيرة إلى أنه بعد الموجة الجديدة من اللاجئين الذين وصلوا إلى تركيا فإن عددهم الإجمالي بات يتخطى 4 ملايين و13 ألف شخص، حوالى نصفهم (1,8 مليون) في تركيا.

وأوضحت المفوضية أنه قبل عشرة أشهر فقط، في نهاية أغسطس 2014، كان العدد المسجل ثلاثة ملايين، متوقعة في حال استمرار حركة الفرار من سوريا أن يصل عددهم بحلول نهاية السنة إلى 4.27 ملايين يضاف إليهم حوالي 7.6 ملايين نازح داخل سوريا.

وأحصت المفوضية حاليا 1805255 لاجئا سوريا في تركيا و1172753 في لبنان و629128 في الأردن و249726 في العراق و132375 في مصر و24055 في شمال أفريقيا.

أما السوريون الذين قدموا طلب لجوء إلى أوروبا وعددهم يقارب 270 ألفا، فلم يتم احتسابهم ضمن أرقام المفوضية، وكذلك آلاف السوريين الذين انتقلوا للإقامة في بلدان مختلفة دون أن يسجلوا.

وقالت متحدثة باسم المفوضية إنه أكبر عدد من اللاجئين جراء نزاع واحد تشرف عليه المفوضية منذ حوالي ربع قرن، منذ أن قامت الوكالة بمساعدة حوالي 4.6 ملايين لاجئ أفغاني عام 1992.

ويتعزز هذا الشعور من خلال دلائل على ضعف الرئيس بشار الأسد، حيث أصبح خاضعا للإيرانيين إلى جانب الشعور بأن إيران لا تراعي إلا مصالحها الخاصة.

ويبدو من الواضح أن نظام دمشق يمر بمرحلة إنهاك، وأن بشار الأسد غير قادر على إقناع العلويين بمد قواته المسلحة بمجندين جدد. وبلغ الأمر إلى حد أن متظاهرين في بعض المدن العلوية رفعوا لافتات كتب عليها “نحن لن نموت من أجل إيران”.

في حين يبدو هذا الأمر تطورا سلبيا، حيث أنه يضيف تجزئة لبلد يعاني من تجزئة حقيقية، قد يكون من الإيجابي التدخل للبحث عن مفهوم صحيح لإنقاذ سوريا وهيكل الدولة. وبالإضافة إلى الاستياء الذي أصبح سائدا في صفوف المجتمع العلوي، فإن الأسر السنية البارزة في دمشق تدرك أنه إذا لم يتم فعل شيء يذكر في وقت قريب، فإن تنظيم الدولة الإسلامية سيقتحم العاصمة دمشق، خاصة وأنه يتواجد على بعد بضعة كيلومترات منها.

وتستنتج المجموعة الاستشارية أن الطائفتين السنية والعلوية تلتقيان على أرضية مشتركة، حول فهم أهمية الحفاظ على الدولة السورية ووظائفها والتصدي لخطر الجماعات الإرهابية والحاجة إلى رحيل الأسد الذي من شأنه أن يساعد على إنقاذ البلاد.

ويضيف التحليل أن مشاعر العلويين بعدم الرضا تنعكس أيضا على بعض المسؤولين رفيعي المستوى في القوات المسلحة والدولة السورية. وفي الآونة الأخيرة، اختفى بعض المسؤولين في ظروف غامضة جدا. بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الضبّاط العلويين السوريين قلقون جدا، لأنهم يرون الانهيار البطيء للنظام يحدث أمام أعينهم. فالأسد لم يعد بيده أوراق ليلعبها للدعاية لنفسه أو لنظامه بعد الآن.

ويدرك السوريون أن مستقبلهم كمجتمع أصبح مهددا بشكل خطير. وبالنسبة إليهم، فالوعود بجيب علوي في أرض ساحلية حبيسة لا تعني فقط نهاية سوريا، إلا أن ذلك لا يعني أيضا استمرار الحرب في البلاد. وإذا أراد العلويون إدارة المنطقة الساحلية، فإن راية سوريا موحدة سيتم رفعها من جانب المعارضة، وسيتم اتهامهم بخيانة وطنهم الوهمي كما أن مستقبلهم في هذا الجيب الساحلي لن يكون آمنا بالمرة. وفي حال فقدوا معظم الأراضي السورية، فإنه من الخطر فقدان باقي الأراضي.

النظام السوري يترنح

تعتبر مجموعة الشرق الاستشارية أن اللحظة الراهنة التي يمر فيها النظام في دمشق بحالة انهيار بطيء تمثّل الفرصة المناسبة للتحرك لإنقاذ سوريا من الأسد ومن تنظيم داعش على حد سواء. وتعتبر أن هناك إمكانية جيدة للتوصل إلى اتفاق بين عائلات كبار التجار في دمشق وبعض الضباط العلويين.

رحيل بشار الأسد ليس الحل لكل مشاكل سوريا ولكنه حجر الأساس في أي عملية تسوية وإنقاذ للبلاد

وفي حال تحقق هذا الاتفاق سوف يحظى بمباركة جزء مهم من المعارضة الموجودة في المناطق التي تقع جنوب البلاد، شريطة أن يتم طرد الأسد من سوريا أو قتله على يد رجاله. وسيؤدي ذلك أيضا إلى تراجع القاعدة الاجتماعية لتنظيم الدولة الإسلامية. وسيتم دعوة أغلب جماعات المعارضة للمشاركة في سوريا تعددية، حيث يتم التعامل مع العلويين والمسيحيين والدروز ;والسنة كمواطنين متساوين.

لكن ماذا يتطلب سيناريو من هذا القبيل؟ يجيب التحليل الاستراتيجي على التساؤل، مؤكّدا على الحاجة إلى دعم دولي راسخ في أي خطوة جريئة من هذا النوع في دمشق. وبعض الرسائل التي تخرج من دمشق تعكس الحاجة للمساعدة على التحرك لإنقاذ البلاد.

وفي الوقت الحالي، يتضافر التعبير عن نية حازمة لتوفير غطاء سياسي ودعم لوجستي مع المساعدة الممكنة والضرورية. وعملية الترتيب المسبق مع الجبهة الجنوبية قد تقلل إلى حد ما من الخطر. كما أن الدور القيادي للضباط العلويين والحفاظ على الجيش الوطني السوري يقلل من الخطر بشكل أكبر. وهناك “تفاهم” مسبق مع شخصيات وعائلات علوية وسنية بارزة في دمشق من أجل توفير نوع من الدعم الشعبي.

ويخلص التحليل إلى أن إزالة رأس النظام في دمشق لن تجلب حلا فوريا، بل ستكون مجرد فتح الطريق لإعادة تشكيل القوات على الأرض، وتوفير مساحة أوسع لمحاربة الجماعات الإرهابية. وجعل دمشق نقطة الانطلاق من أجل تمكين سوريا من الحفاظ على هيكل الدولة ويفتح الباب أمام مجموعة من الخيارات الجديدة لحل كل الأزمات.

6