دمشق نقطة لقاء بين الثقافة العربية وثقافات أميركا الجنوبية

العودة إلى الموسيقى تعيد ربط الشام بأميركا اللاتينية بعد 150 عاما.
الاثنين 2019/10/07
المايسترو الفنزويلي جيراردو ايسترادا مارتينيز في دمشق

إن العلاقة التي جمعت العرب بأميركا الجنوبية علاقة عميقة ومختلفة تماما عما هو مألوف، حيث فيها من التأثير والتأثر والانصهار ما مثّل طاقة حضارية خلاقة تتجاوز حدود الحياة العامة إلى الإبداع الأدبي والفني، وتشكل ثقافة مختلفة متمازجة ومنفتحة على العالم. وإيمانا بهذا كانت دمشق مؤخرا على موعد مع موسيقات أميركا الجنوبية.

دمشق- منذ أواسط القرن التاسع عشر بدأت هجرة بعض أهل الشام (سوريا الكبرى) باتجاه القارة الأميركية الشمالية والجنوبية، هربا من الظلم الذي كان يفرضه الاحتلال العثماني للبلاد والوضع المعاشي المتردي الذي كان الناس يعانون منه في حينه. ومنذ سبعينات القرن المذكور بدأت دول أميركا بتنظيم هجرة هؤلاء إلى أراضيها.

 حسب الإحصائيات الرسمية العالمية يبلغ عدد المنحدرين من أصول عربية في أميركا اللاتينية ما يقارب الأربعين مليون شخص، أغلبهم في البرازيل، حيث يبلغ عددهم هناك قرابة الخمسة عشر مليون شخص، وفي الأرجنتين يشكلون نسبة عشرة بالمئة من السكان، بعدد يقرب من الثلاثة ملايين. عمل هؤلاء على دعم الاقتصاد والعمل الحرفي على وجه الخصوص، حيث كان معظمهم حرفيين مبدعين، وصارت لهم أموال واستثمارات كبيرة.

هناك من المهاجرين العرب إلى أميركا من بلغ مكانة مرموقة في عالم الأدب مثل جبران خليل جبران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة وإبراهيم ناجي من مصر، كما وصل جزء آخر إلى مراكز سياسية هامة مثلما فعل كارلوس منعم، رئيس الأرجينين ذو الأصول السورية، وميخائيل معوض وعبدالله بوكرم، رئيسا الإكوادور وهما من لبنان، وكذلك الرئيس البرازيلي المؤقت ميشيل تامر، الذي يحكم الآن.

تبادل ثقافي

فرقة سورية بقيادة مايسترو فينيزويلي تقدم طاقة من المعزوفات اللاتينية والعالمية التي يعرفها العالم عن المنطقة
فرقة سورية بقيادة مايسترو فينيزويلي تقدم طاقة من المعزوفات اللاتينية والعالمية التي يعرفها العالم عن المنطقة

 من خلال هذه الهجرات ووصول الناس إلى أميركا اللاتينية من الشام، نشأت حركات أدبية خاصة بالحالة وظهر شكل أدبي فني خاص سمي “أدب المهجر” الذي مثلته عدة مجموعات، نذكر من بينها الرابطة القلمية في أميركا الشمالية والعصبة الأندلسية في الجنوبية التي كان من أعضائها كبار قامات الأدب في حينه، جبران خليل جبران وإيليا أبوماضي ونسيب عريضة وآخرون.

رغم مرور أكثر من مئة وخمسين عاما على زمن الهجرات، ووجود مساحات شاسعة تحول بين جغرافية المكانين، فإن حركة الإبداع والتثاقف لم تهدأ جذوتها بينهما. بل إن مشاريع فنية كبيرة وواعدة سوف تظهر قريبا بين أطراف من سورية وأميركا اللاتينية. كما تقول الأخبار في هذا الاتجاه، حيث سيشمل التعاون العديد من المجالات الفنية.

“من أميركا اللاتينية مع الحب” هو أحد تجليات هذه الحالة الفاعلة التي يجدّ الطرفان في تفعيلها، وكانت خلال شهر سبتمبر الماضي، وتتمثل في عرض مشترك تضمّن عزفا للفرقة السيمفونية الوطنية السورية في أوبرا دمشق بقيادة المايسترو الفنزويلي جيراردو ايسترادا مارتينيز، ومرافقه العازف والمغني ريكاردو لوكوه. جيرادو الذي يعتبر من أهم قادة الفرق السيمفوني في عموم أميركا اللاتينية، وهو من الطاقات الهامة عالميا.

ولد مارتينيز عام 1980، ودرس الموسيقى في كاراكاس عاصمة فنزويلا على آلة الكمان ثم درس الآلات الإيقاعية، متابعا دراسته في مينسك في روسيا البيضاء وإنكلترا. وشكل العديد من الفرق الموسيقية في بلده فنزويلا وغيرها كما قاد فرقا سيمفونية في العديد من بلدان العالم مثل المكسيك، الأرجنيتن، ألمانيا، إيطاليا، روسيا البيضاء. كما شارك في العديد من المسابقات الدولية وحاز فيها على مراتب عليا مثل “العصا الذهبية” في إسبانيا والأورغواي في مسابقة القادة، ثم في مسابقة الدانوب بهنغارية.

وقدمت الفرقة في الحفل طاقة من المعزوفات اللاتينية والعالمية التي يعرفها العالم عن المنطقة، وقد لاقت ترحابا وتفاعلا كبيرا معها من جمهور دار الأوبرا بدمشق.

الموسيقى أرض الجميع

لقطة من الحفل الذي أقيم يوم 25 سبتمبر الماضي
لقطة من الحفل الذي أقيم يوم 25 سبتمبر الماضي

عن الحفل الذي قدمه في دمشق للمرة الأولى، وهو المايسترو العالمي الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، وحول الجديد الذي حمله إليه بأن يقود فرقة عربية للموسيقى السيمفوني تعزف موسيقى لاتينية، يقول مارتينيز لـ”العرب”، “نحن في أميركا اللاتينية نشعر بالعرب ونعرف قيمتهم الحضارية والفنية، ولدينا شعور دائم بأنهم قريبون منا، لأن في منطقتنا ملايين منهم، عرفوا موسيقانا وعرفنا موسيقاهم. وهم يتقاطعون معنا في النظر نحو مستقبل أفضل لنا جميعا، نحن نتقاسم في بلداننا مرارات الحياة القاسية التي تحاول دول وجهات عالمية فرضها علينا”.

ويضيف “في الموسيقى تتلاقى الشعوب وتتحاور، أنا سعيد بأنني قدت الفرقة السيمفونية الوطنية السورية، التي تتميز بمستوى تقني كبير، لم يكن الأمر صعبا عليهم، تدربنا لأيام، ثم عزفنا، وكانت النتيجة الجميلة التي وصلنا إليها وأحبها الجميع. ونحن نطمح إلى تكريس هذه الحالة الفنية عالية المستوى، لكي تبقى منطقة أميركا اللاتينية والمنطقة العربية على تماس، وهذا ما يساعد حضارة الجهتين في الاستمرار. وآمل أن نرى الفرقة السيمفونية السورية قريبا في كاراكاس ليتعرف الجمهور الفنزويلي عليها “.

وعن رأيه في موسيقى الشباب والتطوير الذي يقدمونه، يقول مارتينيز “الشباب مندفعون دائما لتقديم رؤى جديدة، تقدم تغييرا ما عن الماضي الذي عاشوا فيه. وهم بذلك يقدمون جهدا صحيا، لأن الثبات أمر غير منطقي ولا تصح معه الحياة، فلا بد من التغيير، والحياة تنتظر جهود هؤلاء المبدعين الشباب لكي تتطور الأمور وتتقدم للأمام، ما يهمني في الأمر هو العمل الجدي القائم على العلم والتجربة والمعرفة العميقة بحضارة وتراث كل الموسقى المحلية، ثم العمل على تطويعها بأسلوب يناسب العصر الحديث “.

أما تمارا، وهي صحافية أرجنتينية من أصل سوري كانت مشاركة في معرض الكتاب السوري مؤخرا، فتعرب عن اعتزازها بأن فرقة سيمفونية من وطنها الأم تعزف موسيقى بلدها الأرجنتين، وأنها تدعم دائما هذا التوجه نحو إقامة فعاليات فنية وثقافية كبيرة وهامة بين الجهتين، لما تقدمه من فائدة. وتتابع “كنت سعيدة جدا بالحفل، سمعت موسيقى من بلدي الأرجنتين وكذلك من البرازيل والتشيلي والإكوادور وغيرها. أنا مبتهجة وسأعود إلى وطني لأخبر الناس هناك بالحرفية الفنية العالية التي وصلت إليها الخبرات السورية “.

كذلك حضر الحفل مواطن أرجنتيني دانييل، وأكد في حديثه مع “العرب” أنه “يحترم الفرقة الموسيقية السورية التي قدمت عدة لوحات فلكورية لاتينية عميقة، بقليل من التدريب، فأنا لم أشعر أبدا أن الفرقة التي تقدم هذه الموسيقى ليست من أميركا اللاتينية، بل فرقة محلية وكأنها تتعامل مع هذه الموسيقى منذ سنوات طوال. كذلك كان تلقي الجمهور السوري للموسيقى اللاتينية حيويا وجميلا. لا شك أن الحب هو الذي ألغى كل الحواجز ووصل بالحفل إلى هذا الحال “.

14