دمع موغل في القدم

الأربعاء 2015/03/04

في عشرينات القرن الماضي.. حمل عالم الانثروبولوجيا الإنكليزي رادكليف براون حقائبه وسافر إلى جزيرة نائية في جنوب شرق آسيا، حيث كانت تسكن قبائل الأندمان.. وهي قبائل بدائية كانت تحيا حياة بسيطة بعيدة عن المدنية والحضارة.. وبعد دراسة معمقة ومعايشة امتدت إلى ما يربو على العامين سجل هذا العالم أهم ما يميز هؤلاء البشر: فهم قوم أدمنوا عادة البكاء: فهم يبكون في المآتم وفي الأعراس.. يبكون وهم يعدون الطعام وهم يغنون وهم يصطادون الأسماك وهم يعملون.. كانت حياتهم تغسلها الدموع لسبب أو لآخر.. وحين تجرأ العالم على سؤال العارفين منهم عن السبب.. صمتوا لبرهة وقد اجتاحتهم الحيرة.. وجاء ردهم الوحيد بعد أن جلسوا على الأرض بما يشبه الانهيار.. وانخرطوا في بكاء مرير!

حين قرأت هذه الحادثة الحقيقية التي رواها رادكليف براون في كتابه “جزر الأندمان”. أحسست بطريقة ما أنني ربما كنت في حياة سابقة أعيش وسط أقوام الأندمان بل ربما أنتمي لهم بعاطفتي وسيل مشاعري.. وإذ استعرضت حياة أسرتي وجيراني وأهلي وبلدي العراق الذي ولدت وكبرت فيه.. وجدت السواد الأعظم منا يشبه بطريقة أو بأخرى هؤلاء الأقوام.. فنحن نبكي في الحزن والفرح.. في المآتم والأعراس.. نبكي بسبب وأحيانا كثيرة بغير سبب سوى أغنية تداعب حنيننا أو موقف عابر يستفز ذاكرتنا.. فهل كل هذا لأننا خبرنا الفجائع حتى لم نعد نستطيع غسل أرواحنا منها إلا باستنفار غددنا الدمعية؟.. إن لي من القصص ما يبدأ ولا ينتهي عند حد..

حدثنا أحد الأساتذة ذات يوم وهو يحاول الإجابة على سؤال: لماذا تزخر أغانيكم العراقية بالشجن وأنتم قوم ساخرون؟ بأنه يتذكر والدته التي كانت تضع العباءة على رأسها “كل عصرية” وتفر هاربة من البيت.. وإذ يسألها إلى أين أنت ذاهبة يا أمي: تجيب بعصبية “دعني فأنا مختنقة وسأمضي في الحي باحثة عن مجلس عزاء أبكي فيه”!.

أحد زملائي في الجامعة حدثنا مرة بسخرية لاذعة عن والدته التي قالت لجارتها وهي تسألها أن ترافقها إلى السوق غدا معتذرة بأنها لن تستطيع فغدا هو الخميس.. وهي معتادة أن تبكي كل خميس وكل اثنين من الأسبوع!

أما لماذا كل هذا الحزن؟ لماذا نحترف البكاء من عهد بابل؟ هل لأننا شعب اعتاد النكبات فألفها وصار الدمع مثل الموت صديقا؟.. هل تطبعت أرواحنا بطبع نهرينا العظيمين اللذين كانا إذ يفيضان يحرقان الزرع والحجر والبشر؟.. وصارت دموعنا نهرا ثالثا يجري تضامنا وتعاضدا؟ هل لأن أرضنا كانت وما زالت منذ بدء الخليقة أرض الكوارث ومطمع الغزاة والطغاة؟ أم أننا اعتدنا أن نلبس دور الضحية والمنتصر دائما فكان البكاء صنوا للنصر والهزيمة معا؟

يحدثنا التاريخ أن قبائل الأندمان اليوم أصبحوا جزءا من ماليزيا.. ولكنني أشك تماما أن تكون المدنيـّة والدولة الحديثة قد نجحتا في استئصال عرق بكائهم.. فثمة جذور لا يمكن أن تمحوها القرون.. فهي تشكل الهوية والانتماء.. مثلها مثل الآثار وحجارة الحضارات المندثرة..

وأخيرا سأسأل بمرارة: ترى هل كانت دموع الثور المجنح في متحف الموصل تنزل بصمت وهي تتألم من أثر المعاول الهمجية والسلاح الدموي الجديد؟.. أم أننا كنا وحدنا نبكيه بحرقة؟

21