"دموع إبليس" يصالح المغاربة مع "سنوات الرصاص"

يتناول الفيلم المغربي “دموع إبليس” للمخرج هشام الجباري على مدار ساعة و41 دقيقة، حقبة مظلمة من التاريخ المغربي، تنعت بـ”سنوات الرصاص”، وهي تمتد من ستينات إلى ثمانينات القرن الماضي، وعرفت اعتقالات لأسباب سياسية واختطافات معارضين للنظام الحاكم وتعذيبهم.
الجمعة 2016/11/18
إبهار في الأداء والصورة

ما انفك الفيلم السينمائي المغربي “دموع إبليس” لمخرجه هشام الجباري يجذب اهتمام الجمهور المغربي منذ انطلاق عرضه بالقاعات أواخر شهر أكتوبر الماضي، وهو الفيلم السينمائي الأول لمخرجه الذي قال عنه “قبل كتابة الفيلم وتصويره اطلعت على أدبيات الموضوع الذي يتناوله الشريط، في إطار التوثيق له، كما جالست عددا من المعنيين لإثراء موضوعه، واشتغلت في إطار العمل التخييلي على عدة شخوص، قبل جمع سماتها في أبطال الفيلم الأربعة”.

وميزة الفيلم أنه يخرج عن التقليدية في تناوله لحقبة سوداء من تاريخ المغرب، والتي امتدت من ستينات إلى ثمانينات القرن الماضي، حيث شهدت هاتان العشريتان عدة اعتقالات لأسباب سياسية واختطافات معارضين للنظام الحاكم وتعذيبهم، ومن هناك يتبنى الفيلم رؤية مختلفة لا تتعلق بالكشف عن الظلم، بقدر ما تدعو إلى التسامح والتصالح مع الذات، ونسيان “الماضي الأسود” من أجل الاستمرار.

نهاية مأساوية

ينطلق الفيلم بعودة بطله المدرس حسن الشاهد (يؤدي دوره الممثل رشيد الوالي)، إلى بلدته بعدما قضى 18 سنة من عمره في معتقل أكدز جنوبي المملكة المغربية (معتقل سري كان يخضع فيه المعتقلون السياسيون للتعذيب)، هو ومجموعة من رفاقه، بسبب أفكارهم ومواقفهم المؤيدة للحرية، والداعية إلى الثورة من أجل التغيير.

"دموع إبليس" توّج بالجوائز داخل المغرب وخارجه، منها جائزة أفضل صورة وأفضل صوت في الدورة الـ17 من المهرجان الوطني المغربي للفيلم بمدينة طنجة

وبمجرد عودته، وقضائه ليلة واحدة قرب زوجته (تؤدي دورها فاطمة عاطف) التي فقدت ابنهما الأول والوحيد مباشرة بعد اعتقاله، يقرر المدرس الانتقام من “الجلّاد” واستعادة كرامته وكرامة رفاقه في السجن، خاصة أنهم عانوا، خلال سنوات الاعتقال، من كل صنوف العذاب، ومن قهر وجبروت الجلّاد جلال، المسمّى لدى المعتقلين بـ”إبليس”، والذي استقال من وظيفته، وقرّر القيام برحلة سياحية مع زوجته (تؤدي دورها آمال عيوش)، وطفليه، لتعويضهم عن فترات غيابه الطويلة عنهم.

وأثناء الرحلة السياحية، يتسلل حسن إلى سيارة التخييم (عربة مقطورة) الخاصة بجلال وأسرته، ويحوّل رحلتهم من مدينة الدار البيضاء (جنوب) إلى مدينة زاكورة (جنوب شرق)، ثم معتقل أكدز.

ويلجأ حسن ورهائنه إلى البلدة لعلاج أحد طفلي جلال من أزمة حادة لمرض السكري، لدى طبيب البلدة عيسى (يؤدي دوره يونس ميكري)، وهو طبيب عسكري أصيب في رجله، وقضى فترة من الزمن رهينة لدى مسلحي “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” (البوليساريو)، التي تنازع المغرب السيطرة على إقليم الصحراء المغربية.

ورغم محاولات عيسى وزوجته مريم (أدّت دورها فاطمة الزهراء بناصر)، إقناع حسن بمسامحة جلال وتركه لعذاب الضمير، إلّا أن حسن ظل مسكونا بالرغبة في الانتقام، ففضح جلال أمام زوجته وطفليه، إذ كانوا يعتقدون أنه يعمل في الجيش، لتنتهي القصة بانتحار زوجة جلال بمسدس زوجها، الذي وضعه في يدها لتقتل حسن، بعدما قتل عن طريق الخطأ أحد طفليهما.

يقول بطل الفيلم، رشيد الوالي عن دوره “أدّيت دوري بإحساس عال وعشته على أعصابي وبكل مشاعري طيلة مدة التصوير”، مضيفا أن الألم الذي شعر به وهو يشخص دوره ساعده على تقديم أقصى ما يستطيع تقديمه.

هشام الجباري: النهايات تكون دائما مأساوية حينما لا يتحقق التسامح، ولا يتم الغفران

وفيلم “دموع إبليس” كتب له السيناريو مخرجه هشام الجباري، وهو من إنتاج “أنسة ميديا فيلم”، وتشخيص رشيد الوالي وإسماعيل أبوالقناطر وآمال عيوش ويونس ميكري والطفل أيمن الجباري.

وعنه يقول مخرجه هشام الجباري “تمّ تصوير أغلب لقطات الفيلم بمدينة زاكورة، مما يعزز الفيلموغرافيا المغربية في موضوع يتناول السنوات الصعبة، وطي صفحة الماضي وتناقضات النفس البشرية وهشاشة الكائن ومحافظته، بالرغم من كل شيء، على بذرة الخير والتسامح والإنسانية في دواخله”.

وعن النهاية المأساوية لفيلمه، يقول “وددت أن أؤكد أن النهايات تكون دائما صعبة ومأساوية حينما لا يتحقق التسامح، ولا يتم الغفران”.

فيلم طريق

يجمع “دموع إبليس”، المصنف ضمن “أفلام الطريق” بين جمالية التصوير وقوة الأداء والحركة، فهو يقدم صورا رائعة لواحات جنوبي المغرب ولمناظره الطبيعية الخلابة، وصورا لوجوه حفر تجاعيدها الألم والعذاب: الأم والزوجة من فرط الانتظار، والمدرّس والطبيب من فرط العذاب والإحساس بالقهر، والسجان بسبب عذاب الضمير الذي لا يسمح بالنوم.

أما قوة الأداء في هذا العمل السينمائي فتعود إلى كونه يضم نخبة مهمة من الممثلين المغاربة، وعلى رأسهم رشيد الوالي، ويونس ميكري، وإسماعيل أبوالقناطر، وآمال عيوش، وفاطمة الزهراء بناصر، وفاطمة عاطف، وآخرون.

توّج “دموع إبليس” بالجوائز داخل المغرب وخارجه، منها جائزة أفضل صورة وأفضل صوت في الدورة الـ17 من المهرجان الوطني المغربي للفيلم بمدينة طنجة، وجائزة “الشاشة الذهبية” للدورة العشرين من مهرجان “الشاشات السوداء” بالعاصمة الكاميرونية ياوندي.

كما توّج الفيلم بجائزة أحسن ممثلة لآمال عيوش من المهرجان الدولي للسينما عبر الصحراء في زاكورة، و”جائزة الجمهور” في الدورة الأخيرة من مهرجان مدينة سلا المغربية لفيلم المرأة، و”الجائزة الكبرى” من مهرجان أفلام الجنوب بالعاصمة البلجيكية بروكسل.

وصرح مخرج الفيلم وكاتب السيناريو، هشام الجباري، بأنه استغرق 5 أعوام لتجهيز هذا العمل، من حيث الكتابة والتصوير والمونتاج، وتقديم عمل سينمائي ناجح، ولا سيما أنها تجربته السينمائية الأولى.

ويجمع الجباري بين الكتابة الدرامية والإخراج، وهو حاصل على درجة الماجستير في العلوم الإدارية من ألمانيا سنة 2002، ثم تلقى تدريبا في الجامعة الألمانية حول السيناريو والإخراج.

وانطلقت أولى تجارب الجباري عام 2005 بفيلمه التلفزيوني “الزبير وجلول”، ليتلوها بسبعة أفلام قصيرة، ومسلسلات تلفزيونية هي: “دار الورثة”، و”أنا ومونية ومنير”، و”عش البنات”، إضافة إلى أعمال مسرحية، منها “الدق والسكات”.

16