"دموع بالكحول" في انتظار غودو على الطريقة المغربية

مسرحية "دموع بالكحول" التي عرضت في السنتين الأخيرتين بالمغرب، وأعيد عرضها مؤخرا في مسرح محمد الخامس وسط مدينة الرباط من قبل فرقة “أنفاس” المسرحية حققت الكثير من النجاح في عرضها الأخير، لأسباب عديدة منها أن موضوعها المسرحي تناول حياة الطبقة الوسطى من المجتمع المغربي، فقد تناول الدراماتورج عصام اليوسفي -وهو مدير سابق للمعهد المسرحي الوحيد في المغرب- في نصه شخصيات مسرحية، هي في تماس مباشر مع الناس في المجتمع المغربي بكل أطيافه، المتعلمة وغير المتعلمة.
الأربعاء 2015/06/10
مسرحية تتناول حياة الطبقة الوسطى من المجتمع المغربي

تقدم مسرحية “دموع بالكحول” للمخرجة المغربية أسماء هوري شخصيات واقعية -وهي أربع- يراها الناس بشكل دائم في تعاملهم اليومي، كالطبيب أحمد الصنهاجي وقد مثل دوره محمد الحر، الذي يعيش خيبة الحياة الحزبية، واكتشافه أنه لا يستطيع أن يقدم شيئا للناس ولنفسه من خلال عمله السياسي، وكذلك فشل حياته الزوجية بعد جفاف ينبوع المحبة والودّ مع زوجته بعد سنوات من الزواج، ليجدا نفسيهما يعيشان في غرفتين مستقلتين، ولكل واحد منهما اهتماماته وعلاقاته وحياته الخاصة.

فزوجته أستاذة الفلسفة ندى والتي مثلت دورها وسيلة صابحي، وهي أيضا أم لطفلتين توأم من زوجها الطبيب، وهي تعاني طيلة الوقت من سلوك زوجها الذي تعتبره، مدمرا للعلاقة الزوجية المقدسة، بسبب علاقته خارج إطار الزوجية بعشيقته صوفيا التي مثلت دورها هجر كريكع، وشخصية أخرى تعاني الاستلاب في البيت والشارع هي شخصية نورا، ومثلت دورها زينب الناجم، التي لا تزال طالبة، ويعاملها إخوتها بشك وريبة، ويحققان في سلوكها خارج البيت.

وكانت بالفعل قد وقعت ضحية للابتزاز من الشاب الذي أحبته، والذي عمد إلى تصوير لقائها الحميمي به ليبتزها به، وتزداد حيرتها ومخاوفها من علاقتها بهذا الشاب، خصوصا عند اكتشافها حقيقة عمله، فقد عرفت أنه يصوّر أفلاما من نوع البورنوغرافيا، ليبيعها خارج المغرب إلى شركات تسوّق هذا النوع من أفلام الجنس.

ومسرحية “دموع بالكحول” من إخراج الفنانة أسماء هوري بمساعدة محمد الحر، وقدم الموسيقى رشيد البرومي ومن عزف ياسر الترجماني ومروان الإدريسي، والأغنية التي تمّ تقديمها في المسرحية كانت من غناء خديجة العامودي، أما السينوغرافيا والإنارة، فهي بإدارة عبدالمجيد الهواس ومساعدة صلاح بنعبدالسلام، وأمين آيت حمو، أما الملابس فقد كانت بإشراف بدرية الحساني.

تقنيات متعددة

استطاعت المخرجة أسماء هوري أن تجمع أجزاء النص المسرحي الذي لم يكن له حدث درامي متصاعد، كما هو معتاد في المسرح الاجتماعي أو ما يسمى أيضا بمسرح الفودفيل، الذي يعتمد تقديم الشخصيات في ظل عقدة درامية تتصاعد في الفصل الأول والثاني، ويجد المشاهد الحل للعقدة في الفصل الثالث، وتنتهي المسرحية بانفراج الأزمة.

ستطاعت المخرجة أسماء هوري أن تعبر عن وجهة نظر محايدة لما يحدث لشخصيات العمل المسرحي، وتقدم توضيحا للمواقف الغامضة في المسرحية على المشاهد

والعقدة الواحدة في النص المسرحي غير موجودة، والرابط الوحيد بين الأحداث فكرة الفساد، والعزلة والبحث عن منفذ من حياة لا آفاق لها، وقد عالجت المخرجة النص بتقنيات كثيرة، منها الكورس “الجوقة”، الذي يردد ما يدور أو يعلق على الأحداث، وهي تقنية قديمة من تقنيات المسرح الإغريقي، القديم، استخدمها يوربيدس وسوفوكليس وإسخليوس، في العديد من مسرحياتهم، كأوديب ملكا لسفوكليس، وأورستيس، وألكترا ليوروبيدس وغيرها.

وبهذه الوسيلة استطاعت المخرجة أسماء هوري أن تعبر عن وجهة نظر محايدة لما يحدث لشخصيات العمل المسرحي، وتقدم توضيحا للمواقف الغامضة في المسرحية على المشاهد، وقد استخدمت المونولوج الداخلي لشخصياتها، وهم يطلقون ما في نفوسهم على الملأ لاستعادة ماضيهم، وعرض عواطفهم وآرائهم حول الحياة والناس للجمهور.

إضافة إلى استخدامها البصري الذكي، للسينوغرافيا والإنارة والموسيقى، والحوار البسيط، والابتعاد كليا عن تضخيم المواقف الكوميدية في النص، التي لم تتعدّ إلاّ في بعض المواقف القليلة، وقد كانت اللهجة الدارجة المغربية أقل صعوبة عما يكون عادة في المسرح الشعبي المغربي، الذي تتصف دارجته بالصعوبة على الفهم لغير المغاربة.

بعيدا عن النمطية

جاء من بين ما كتب في ورقة تقديم المسرحية عن هدف الدراماتورج في هذا العمل المسرحي: المسارات الأربعة تضم حكايات، شهادات حول إنسانية المرأة عشقها وعنفها، أحلامها، وانكساراتها.. هذه المسارات هي أيضا حكاية بلد وهوية وسؤال الحاضر: من نحن؟ وكيف نرى ونفهم العالم؟ عالم معقد ومركب ومعانيه متناثرة الشذرات من حولنا.

المسرحية تقدم الرغبة في التحرر من كل أشكال الكتابة النمطية، ضمن نص يطمح إلى البحث عن لغة أخرى للكلام

وجاء أيضا: “دموع بالكحول” هي رغبة في التحرر من كل أشكال الكتابة النمطية، ضمن نص يطمح إلى البحث عن أسلوب آخر ولغة أخرى للكلام والحكي.. ليست هناك طباع أو نفسيات فقط، مواقف ولغة، داخلها تعيش وتحيا هذه الشخصيات القريبة منا.

وقد صدق كاتب التقديم حين أشار إلى أن النص المسرحي المقدم ليس نمطيا، وهو لا تنطبق عليه شروط النص المسرحي، لأنه يقدم شخصيات حية من الواقع، تفكر وتتحدث بلغتها اليومية من دون تزويق، وهي تقدم مللها من حياتها المعيشة، وتقدم أحلامها في مونولوجات طويلة مسموعة تعبر فيها عن حلمها بحل لما تعيشه من إشكاليات حياتية وعاطفية وفكرية.

وكأن كل ممثل فيها قدم نصا مغربيا لمسرحية “في انتظار غودو” للكاتب الأيرلندي صموئيل بيكيت، إنها مسرحية انتظار غودو على الطريقة المغربية، وقد تركت المسرحية مرارة وحزنا لمن شاهدها بالرغم من أغنية الأمل الأخيرة التي قُدّمت في نهاية المسرحية، والتي حثت على مواجهة صعوبات الحياة من أجل حياة أفضل وواقع أجمل، وكأنما تقول لمشاهديها إننا بانتظار الغد السعيد.

16