دموع عصاة تسللوا من باب المندب

الأربعاء 2013/11/20

في فواجعه المنسية الذي يتناول ميثولوجيا قبيلة غامد، ذكر بن ربيع أن سبب تسمية باب المندب هو بكاء العصاة. وكأنني بهذه الأسطورة التي توارثها جنوبنا الشامخ تلخص واقع هذا المضيق منذ فجر التاريخ وهو يضيق بالعصاة تارة، ويتسع بالأبرار تارة أخرى. الأمر الذي جعل من الدولتين السعودية والأثيوبية منذ تأسيس العلاقات بينهما عام 1948، يتعاونان في الحفاظ على أمن القرن الأفريقي ومكافحة التهريب والاتجار بالبشر فيه.

في ضوء هذه الحقيقة الجغرافية والتاريخية لم يكن لبعض الشغب أن يشكل أهمية لولا أحداثٌ استغلها البعض، وآراءٌ أدلى بها البعض الآخر، ومنظمات استغلت الحدث لهجوم منظم على القرار السعودي بتصحيح وضع العمالة في السعودية. ومنها ما يسمى بالمجلس الأثيوبي الوطني الانتقالي ENTC وكذلك ما يسمى بالاتحاد العالمي للمطالبة بحقوق الأثيوبيين في السعودية، والمكون من عدد من الناشطين برئاسة عابد غيلاد وبرهانو دامتي وتامان بيين. الذين أصدروا بيانين منفصلين جاء فيهما مجموعة من التهم الملفقة ضد الأمن والمواطنين السعوديين، استندوا فيها إلى مقطع فيديو لانتهاكات إنسانية زعم منتجوه أنها للشرطة السعودية ضد العمالة الأثيوبية في المملكة، واصفين مزاعمهم بأنها روايات شهود عيان. والحقيقة أن المقطع مفبرك والمشاهد المعروضة هي لأحداث وقعت في لبنان بثتها قنوات لبنانية في وقت سابق. وورد في البيانين قيام ما وصفوه بعصابات من الشباب بعمليات تعذيب وقتل واغتصاب للنساء. وطبعاً لا ينسى البيان الإشارة إلى النجاشي كنوع من المن المسبوق بالأذى. وتضمن البيانان المطالبة بالتنسيق مع المنظمات الأثيوبية، والمشاركة في مسيرات في عدد من الدول، وإرسال خطابات للمنظمات الدولية، ورسائل تحذيرية للسفارات السعودية في العالم وتحذيرهم من مغبة هذه الأعمال البربرية.

وبالفعل تم تنفيذ عدد من المسيرات وحاولوا اقتحام السفارة السعودية في واشنطن وكذلك نفذوا مسيرة احتجاجية أمام السفارة السعودية في أديس أبابا استخدمت فيها الشرطة الأثيوبية العنف لفضها، وألقت القبض على 100 شخص مما يعكس عدم الرضا الحكومي بما تقوم به هذه التنظيمات. كما قامت الحكومة الأثيوبية بما تفرضه الأعراف الدبلوماسية فاستدعت خارجيتها السفير السعودي وطلبت توضيحاً لما حدث كخطوة أولى للتنسيق بين البلدين.

المثير للدهشة هو تزامن حملة أولئك الناشطين مع بعض الآراء من الداخل والخارج السعودي. منها آراء ما فتئت تزيد الشرر اضطراماً، وآراء تصدر من منظرين لا هم لهم إلا شعبيةً يريدون زيادتها. ومن هؤلاء من لاشك أنهم أصحاب هوى ومصلحة من نوع ما. وهناك من رأى بحسن نية أو بغيرها ضرورة تمييز الأحباش عن غيرهم من العمالة، ومعاملتهم بطريقة خاصة لموقف النجاشي التاريخي في مغالطة لاستدرار العاطفة.

العمالة الأجنبية في سوق العمل السعودي بدءاً بالوظائف القيادية، مروراً بالمهن الصناعية، وانتهاءً بالوظائف والمهن المتدنية تتراوح بين 7 إلى 9 مليون أجنبي يمثلون ثلث التعداد السكاني للمملكة. لذا فالحملة السعودية ليست موجهة نحو جنسية بعينها، بل هي حملة تهدف في واقعها إلى الحد من تدفق الأجانب وإتاحة الفرصة للسعوديين للعمل في مجتمع بلغ فيه حجم البطالة (الرسمي) 13بالمئة وقد تكون أكثر من ذلك.

أمام هذه الحقائق المجردة لا يمكن إلا أن نؤكد بأن حجم المشكلة متوقع، فلدينا ثلاثة أنواع من العمالة: مخالف، ومتسلل، وعامل خلف متستر، يتفقون في صفة المخالفة، وقد تم ترحيل نحو ربع مليون مخالف منذ بداية العام حتى ما قبل بدء المهلة الثانية. إن مجرد التفكير في عدم حدوث صدام من نوع ما في الأماكن المكتظة بجالية معينة أمر غير واقعي. ومع ذلك لم يحدث أي احتكاك مع أي جالية بأي شكل. فماذا يعني هذا؟

ولو قمنا بمقارنة بين الجالية الأثيوبية والباكستانية، لوجدنا أنه تم ترحيل 54000 وتصحيح وضع نصف مليون مخالف. في المقابل تم ترحيل 500 أثيوبي وتصحيح وضع 20000 من إجمالي المخالفين. رغم الفرق الكبير بين الجاليتين فقد تم تنفيذ الأولى بهدوء، بينما خالط تنفيذ الثانية عنف وشغب. فماذا يعني هذا؟

غالبية المخالفين الأثيوبيين هم ممن تسللوا إلى البلاد وارتكبوا الجرائم بأنواعها أينما حلوا، وانتعشت في تجمعاتهم الاتجار بالبشر وكانت جرائمهم خلال السنوات الثلاث الماضية بمعدل ثلاثة جرائم يومياً. ومن كان هذا حالهم لابد لهم أن يمارسوا الشغب بدلاً من الاستجابة للأنظمة. ولو كان اعتراضهم على تأخير ترحيلهم كما يزعم المنظرون، لوجهوا اعتراضهم لسفارة بلادهم التي قصرت في منحهم الوثائق اللازمة، ولما مارسوا عمليات تخريب ممتلكات المواطنين وهم الذين عاشوا بينهم لسنوات لم يتعرض لهم أحد بسوء. فماذا يعني هذا؟

الحق أن ما قامت به المنظمات الأثيوبية من اتهام للمواطنين السعوديين ورجال الأمن بتلك التهم التي تأباها الأنفس السوية ثم المن عليهم بموقف تاريخي نبيل لأحدهم، هو عمل تأباه المجتمعات النبيلة، ولو كان النجاشي بيننا لما ارتضى ما فعله قومه، فلا يصح أن يزايد عليه أحد في مكارم الأخلاق.

وإذا كان البعض يشير إلى مقتل أحد مثيري الشغب، ويتناسى القتيل السعودي (وهنا علامة تعجب)، فالقتيل الأثيوبي اشتبك مع رجال الأمن وحاول الاستيلاء على مسدس أحدهم. وهذا سبب كاف لقتله في أي مكان في العالم. كما لا يصح إلقاء اللوم على سكان الحي لمساعدتهم الأمن فهذا أقل واجباتهم. ولو أن الحدث في دولة أخرى كالولايات المتحدة أو فرنسا لشهدنا أعمالاً انتقاميةً عرقيةً فظيعة كما حدث أكثر من مرة. ولكنها طبيعة هذا الشعب النبيل ألا ينظر إلى الأحداث إلا من خلال نشأته الأخلاقية المتسامحة.

ما حدث ببساطة أن عصاةً تسللوا من باب المندب، ومارسوا عصيانهم في دار مضيفيهم ثم ذرفوا دموعاً ذرفها عصاةُ من قبل وكأنما يريدون أسطرة لواقع أو توقيعاً لأسطورة.


كاتب سعودي

9