دموع فاطمة وتماسيح البرلمان

السبت 2014/03/15

ترك والدها العمل بسبب مرض أقعده الفراش، فاضطرت فاطمة إلى تعلم أسرار المهنة الشاقة وهي لم تكمل السابعة! وحين بلغت العاشرة من عمرها، أصبحت الآمرة الناهية على رأس عملها كحرفية قديرة في إدارة ورشة لتصليح المولدات الكهربائية.

فاطمة التي تطمح إلى أن تصبح مهندسة في المستقبل، أخذت على عاتقها إعالة الأسرة الصغيرة بمواصلة العمل ليلا نهارا مع الاحتفاظ بحقها المشروع في ساعات قليلة تقضيها في المدرسة للحاق بآخر قطار يقلها إلى حلم يتيم محاط بأسلاك شائكة، ما زال يداعب خيالها ويتسيد نهاراتها.

ترك والدها العمل ولزم المنزل مكرها بسبب خلل وظيفي في العمود الفقري لم تفلح معه مسكنات الألم المتواضعة ولا دعوات الزوجة المنكوبة ولا نظرات الجيران الخالية من الشفقة.

لم يستطع الأب المقعد أن يجد المال لدفع تكاليف العلاج في بلد، لا تكفل فيه حقوق لفقير ولا تصان فيه كرامة لإنسان كما تجهض فيه براءة الأطفال في وضح النهار، حيث يقف فيه المرض والخوف بالمرصاد لكل من يتجرأ فيلقي تحية الصباح على أول خيط من خيوط الشمس فلا يجد سوى السراب.

فاطمة العراقية، روضت نفسها على الفتات وأدارت ظهرها للجوع، فأطلقت العنان لخيالها المبدع؛ فهي لن تسمح لغول الظلم أن يلقي بها في قمامة النسيان مثل غيرها من الصغار الذين “ذهبوا مع الريح”، إلا أن الخوف ما زال شبحا بشع الملامح يباغتها حالما تسلم جسدها المنهك لساعات نوم قليلة تسرقها من يوم شقائها الطويل؛ الخوف من أن يحمل إليها المستقبل المجهول مزيدا من المسؤوليات الشاقة التي لن تقوى على حملها، هي التي لا تمتلك سوى كتفين صغيرين.

حتى اللحظة، يقع العراق في قائمة الدول المصادقة – نظريا- على اتفاقية تمنع عمالة الأطفال، لكنه لم يصادق بعد على اتفاقية تمنع من توارث الشقاء وتداول الأمراض بين صفوف الفقراء. لذلك، سيقبع والد فاطمة في سرير مرضه حتى “يقضي الله أمرا كان مفعولا”، وستضطر فاطمة لتمضية طريقها الطويل في الحياة مثقلة بالهموم ومكبلة بالخوف من الغد.

أما الميزانيات الهائلة فستوزع بالتساوي على أصحاب الامتيازات والمناصب الرفيعة و(العريضة) وأعضاء الحكومة والبرلمان، وأصدقائهم ومعجبيهم وكل من طلب العلا ولم يسهر الليالي.

في اختراق صارخ لقانون دولة ما زالت تتأرجح على حافة الهاوية، منح أصحاب البرلمان، رغم أنف الفقراء، رواتب مدى الحياة تضمن لهم ولأبنائهم وأحفادهم حياة رغيدة وامتيازات، تسول لهم إجراء فحوصاتهم الروتينية في أحدث منتجعات أوروبا بمبالغ خيالية، لا يستسيغها خيال فاطمة، التي تفرغت لإصلاح أعطاب المكائن الثقيلة فلا تسمع سوى أصوات احتكاك أجزاء المحرك بعددها اليدوية ولا ترنو سوى لملامح والدها الذابلة وهمس حسراته المكبوتة، وهو يرى فلذة كبده تنزع عنها ثياب الطفولة الزهرية كل فجر لترتدي بذلة عمل زرقاء لا تشبه لون السماء. سرق البرلمانيون الرهان، فهل ستخسر فاطمة حلمها؟

21