دمى تصنع الحلم وتبثّ الروح في الخشب

الجمعة 2014/10/17
عروض دمى الماريونت المسرحية تتميز بقيمتها الفنية والتربوية الكبيرة خصوصا للأطفال

القاهرة – الماريونت هي دمى يتم تصنيعها من أخشاب متصلة ببعض المفصلات حتى يمكن استخدام الخيوط لتحريك أجزاء جسم الدمية، وهي من الفنون الشعبية التي توارى الاهتمام بها بعض الشيء في الآونة الأخيرة.

بخيوط يحركها يمينًا، أو يسارًا، يستطيع فوزي بكار أن يغيّر قسمات وجه الكثيرين من متابعيه، وأن يدخل البهجة عليهم ويغيّر كثيرًا من سلوكيات أطفالهم، بالإضافة إلى محاكاة كثير من التراث عبر دمى الماريونت.

وقال بكار، لاعب الدمى، إن صناعة دمى الماريونت “فن شامل لجميع أنواع الفنون التشكيلية والسمعية، والبصرية، فمُحرك دمى الماريونت، يمر بفنون عدة تبدأ بفن النحت والرسم، مرورًا بفن تصميم الأزياء، والديكور، لينتهي معه بكيفية الأداء الحركي، إلى جانب التلحين وعمل المونتاج”.

بكار، الذي يبلغ من العمر 25 عامًا، قال إن دمى الماريونت استطاعت أن تغيّر حياته، لتجعله يكسب عيْشه من تلك المهنة، التي لا يمتهنها الكثيرون في بلاده، فيتمكن من خلالها من تغيير حياة الآخرين.

وأضاف أن “دمى الماريونت تدخل البهجة على حياة من يتابع عروضها، ويمكنها أن توصل فكرة إلى أحدهم أو تعدل سلوكا معينا، وتأثيرها على الأطفال كبير، فعندما نخاطب طفلا من خلال عرض مسرحي يمكننا أن نشاركه معلومة أو نعدل سلوكه في أمر ما، خاصة عندما يرى عروسة تقوم بسلوك مخالف لما يفعله، فالعروض المسرحية للدمى تجعله يفهم بسرعة بخلاف التلقين”.

وأشار بكار إلى أنه أنتج نحو 12 عرضًا مسرحيًا، خلال عمله، للأطفال، من بينها عرض “متأسف” (آسف)، و”متشكر” (شكرًا)، وعرض “الضفدع الأصفر” الذي تتحدث فيه الدمى عن البيئة وكيفية المحافظة عليها، وعرض “يوسف وسره الكبير” وهو عرض لحل المشكلة الطائفية وكيف يعيش الجميع في وطن واحد، وعرض “الطفل المعجزة” الذي يهتم بطاقات الأطفال وإبداعاتهم.

وتابع: “تأتيني أصداء كبيرة من الأهالي والأطفال أنفسهم، كما وصلتني مطالب بالذهاب إلى مدارس هؤلاء الأطفال، وبالفعل استجبنا لمطالب هؤلاء الأهالي وقمنا بعروض في مختلف المدن داخل مصر، وخاصة الأماكن النائية، ولم يكن الغرض ممارسة هواية فحسب وإنما كان الهدف الأساسي توعويا تربويا”.

ورشة لصنع دمى الماريونت بمنطقة الزمالك غرب القاهرة

العروض المسرحية لدمى الماريونت لم تقف عند حدود المدارس لكنها شملت أيضًا المستشفيات، وتحديداً تلك المتعلقة بطب العيون، فيقدم بكار وزملاؤه دمى تشرح كيفية المحافظة على العين، من خلال عروض جذابة وبسيطة تدفع هؤلاء الأطفال إلى الابتسام، عند رؤية الدمى.

وعلى بعد خطوات من ستار مسرح ساقية عبدالمنعم الصاوي (مركز ثقافي خاص) للدمى بمنطقة الزمالك غرب العاصمة القاهرة، تجد بكار جالسًا بجوار دماه، يمسك خيطًا ويحرّك آخر، ليضبطهما معا، إلى جانب محاولاته في وضع اللمسات الأخيرة على الدمى التي ستقوم بعرضها المسرحي، لهؤلاء الأطفال، الذين يعتقدون للوهلة الأولى أنهم بصدد رؤية أشخاص حقيقيين، لا يختلفون كثيرًا عن أصدقائهم وزملائهم في المدرسة.

بكار الذي يتنقل بين ورشة عمل مليئة بالدمى بمختلف الأشكال، يمسك بأدواته ويبدأ في رسم صورة للفنان المصري الراحل عبدالحليم حافظ على “اسكتش” (ورق رسم)، ليبدأ بعد ذلك في استخدام القطع الخشبية لعمل التصميم، ثم نحت كافة التفاصيل من رأس وصدر ويدين وقدمين على مفصلات خشبية، لينتهي بتثبيتها معا وتلوينها، قبل أن يصنع الأزياء الخاصة التي تناسب ما كان يرتديه عبدالحليم.

ولفت بكار إلى أنه ما إن يرفع الستار عن عبدالحليم وفرقته، حتى يظن الحضور أن عبدالحليم حضر بفرقته التي تقف خلفه ليحيي ليلة غنائية كما اعتاد، وفعلا سيجد الفريق بأكمله، بقيادة دمية ماريونت لعبدالحليم، تلتفت يمينًا ويسارًا، وتوجّه ذلك العازف، وتشير لصاحب الأكورديون بأن يتوقف، في تناغم يعيد إلى الأذهان حفلات عبدالحليم الغنائية.

وأضاف: “هكذا نُحيي ذكرى عبدالحليم حافظ وغيره، للمصريين، نعيد لهم التراث الفني الذي أحبوه في الماضي، فليست الدمى كما يظنها البعض للتسلية والترفيه فحسب، فهي أحيانا تفعل ما لا تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، ويكفي أنهم يرون عبدالحليم أمامهم، وأحيانا شخصيات سياسية كالرئيس الراحل جمال عبدالناصر”.

عروض دمى الماريونت بسيطة لكنها تبعث الفرح والبهجة في نفوس مشاهديها

ويعتبر بكار أن هناك مهمة كبيرة تقع على عاتقه، وهي إحياء تراث الدمية الماريونت نفسها بعدما اختفت تدريجيا من بين الفنون.

ومضى في حديثه، وهو يداعب خيوط دمية جديدة لم يسمها بعد، “نحتاج إلى أن تهتم الدولة مجددا بفن دمى الماريونت. نريد أن نعيد مجددا هذا الفن الذي يخاطب جميع المراحل والثقافات”.

وأشار إلى أن “صناعة دمى الماريونت غير مكلفة بل على العكس ما أحققه منها كبير جدًا معنويا وماديا، والحقيقة أني أكسب عيشي من تلك المهنة، ناهيك عن القيمة الفنية والتربوية التي أجدها في هذا العمل. لديّ يقين بأنني طالما آمنت بهذه الهواية وأعطيتها كل طاقتي وجهدي حتما سأحصل على ذلك التقدير المعنوي والمادي”.

وعلاقة بكار بالدمى تجاوزت مجرد موظف ينهي علاقته بالدمى فمنزل بكار يعج بعشرات الدمى، بعضها تتخذ مكانها على سريره، فيما تجلس دمية المفضلة “عم سالم” على مكتبه وأمامها كوب من الشاي.

وعن هذا، قال لاعب الدمى : “كي أكون محرك دمى كان يجب أن أقتنع بأن الدمية تتحرك فعلاً، عندما أستيقظ في الصباح أسأل دمية عم سالم ‘صباح الخير هل تريد أن تشرب كوب شاي’، كما أدير حوارات كثيرة مع تلك الدمى، وأهتم بصيانتها وألعب معها، أتعايش معها إلى حد أصدق أنها تتحرك وهو ما يجعل الجمهور يصدقني”.

وأضاف “أشعر بالعروسة عندما تبكي وتضحك وتغني، أخرج جميع انفعالاتي وغضبي معها من كل شيء يحيط بنا، أمارس الفن وأعبر بالألوان، سواء كنت فرحًا أم غاضبًا، أخرج تلك الانفعالات في ذلك الفن، وهو ما يغيّر حياتي وحياة الآخرين”.

وتعود دمى الماريونت إلى الحضارة اليونانية عندما كان يستخدم اليونانيون الأقنعة والأقدام الخشبية، ثم ظهر بعد ذلك في العراق ما يسمى بخيال الظل وفي مصر ما يسمى بأقنعة الآلهة الفرعونية.

وحسب بكار، وغيره من ممارسي هذا الفن، فإن صناعة دمى الماريونت في مصر ارتبطت بإنشاء مسرح الدمى في الستينات، من خلال أهم العروض المسرحية التي استخدمت دمى الماريونت، وهي أوبريت “الليلة الكبيرة” للراحل صلاح السقا رائد فن الدمى بمصر.

20