دمى سومرية

الاثنين 2016/09/26

لم يلتفت النحاتون العراقيون المعاصرون إلى الدمى السومرية، كانت تلك الدمى معروضة في الخزائن الزجاجية التي هي جزء من محتويات المتحف العراقي.

أعتقد أن أحدا من مثقفي العراق، بكتابه وفنانيه على حد سواء، لم يتأمل تلك الدمى كما تأملها عالم الآثار طه باقر، المنقب ومترجم ملحمة جلجامش إلى العربية.

كان النحات الإنكليزي هنري مور قد اعترف بأنه قد تأثر كثيرا بتلك الدمى، بل إن عددا من أعماله كان بمثابة تكبير بتصرف لها، كنت قد رأيت الأصل السومري لتمثاله “ملك وملكة” في إحدى زياراتي للمتحف العراقي.

كل ذلك الجمال كان بين أيدينا، غير أن عيوننا لم تكن تراه، رأينا الدمى، غير أننا لم نكتشف الجمال المطلق الذي تنطوي عليه، ذلك الجمال القادر بفتنته على أن يخترق العصور ليصل إلى اللانهائي.

لم تكن أور عاصمة العالم القديم، بل كانت العالم كله، ما كان منه وما لا يزال في طي الغيب.

هذا ما يمكن أن يستشفه المرء وهو يتأمل تلك التماثيل الصغيرة التي سكب فيها السومريون رؤاهم المسبوقة بعطرها، كم كانت أصابع أولئك النحاتين مشحونة بالأحلام.

هل كان العالم جميلا في ذلك الوقت إلى تلك الدرجة؟ من المؤكد أن الإنسان كان هو الآخر جميلا، فالمسافة بين الفنان وما ينتجه يطرزها جمال ينبعث من الجانبين، معادلة لا تستثني من عدالتها أحدا.

لقد تسلل جمال الروح السومرية إلى تلك الدمى ليبعث الخفة في عيون رأت الجمال هائما بأجنحة ملائكته، دمى، كل واحدة منها هي أصغر من حجم اليد الواحدة، غير أن في إمكان ندائها الجمالي أن يقبض على كون من التنهّدات والحسرات والكشوفات والحكايات التي تسلمنا كل واحدة منها إلى الأخرى بدعة وراحة واسترسالا.

كان الناس جميلين، فكان لزاما على كل ما تقبض عليه أياديهم أن يكون جميلا، لقد خنا الجمال مرات عديدة حين تخلّينا عن أرواح أجدادنا التي لا تزال تحرسنا.

كاتب من العراق

16