دميانوس قطّار.. قنبلة مارونية موقوتة في حضن حكومة حزب الله

قطّار يمارس السياسة من باب القناعات الفكرية والقادر على تبسيط الأمور الاقتصادية والمالية المعقدة والحلول الناجعة.
الأحد 2020/02/02
عرّاب حسان دياب الاقتصادي

بعد مخاض طويل نجح رئيس الحكومة اللبنانية المكلف حسان دياب بإخراج تشكيلته المنتظرة إلى النور وتوجّه إلى قصر بعبدا حيث أطلع رئيس الجمهورية ميشال عون عليها بحضور رئيس مجلس النواب نبيه بري، وغربل الثلاثة الأسماء والحقائب قبل أن يصدر عون مرسوم الحكومة التي رست على الشكل النهائي وأسندت فيها إلى الأكاديمي دميانوس قطّار وزارتا التنمية الإدارية والبيئة.

الكل ما عدا قطّار

منذ انطلاق قطار التأليف، بدا جلياً أنّ دياب يعتبر أن وجود قطّار إلى جانبه على طاولة مجلس الوزراء، حاجة ماسة إليه. فاختاره بداية لحقيبة الخارجية ليكون رئيساً للدبلوماسية اللبنانية نظراً لكونه يتمتع بشبكة واسعة من العلاقات الخارجية. لكن رئيس “التيار الوطني الحر” وصهر الرئيس النائب جبران باسيل المسكون بـ”هاجس” الرئاسة، رغم نفيه لذلك مراراً، سعى ولا يزال إلى إزاحة أيّ منافس جدّيّ له من بين الموارنة، ليظل “الأقوى” بينهم وهو يعتبر قطّار أحد منافسيه “الجديّين” ولذلك كانت معارضته الشديدة لتوزيره وهو أبلغ المشاركين في “الطبخة الحكومية”: أيّ ماروني إلا قطّار.

قطّار، الذي تجمعه بالرئيس دياب صداقة قديمة، أثبت يوم تولى وزارة المالية أنه يعرف ماذا يريد ويملك “كاريزما” مميزة في مخاطبة الجماهير، ويستطيع محاورة الجميع بأسلوب مرن وسلس، ولديه قوة الإقناع بحجج علمية ومنطقية، الأمر الذي يؤهله لتولي أعلى المناصب، ولأن باسيل يعرف تمام المعرفة إمكانات الرجل وما يمكن أن يقوم به من خلال وزارة الخارجية وتعاطيه مع الخارج بدبلوماسية تنسجم وطبيعته الهادئة ومقارباته الموضوعية، فإن هذا الأمر يجعل منه متقدّما على غيره من الوزراء، خصوصا أن معركة رئاسة الجمهورية لم تعد بعيدة.

أما حزب الله فلم تكن لديه مشكلة مع إسناد حقيبة الخارجية إلى قطّار قبل دخول باسيل على الخط، وهو حاول تصوير الأمر على غير حقيقته، لأنه يدرك أن وجود شخص كقطّار على رأس الدبلوماسية اللبنانية من شأنه أن يجعله يخسر أهمّ ورقة في طريقه غير المعبّد إلى بعبدا بعد ثلاث سنوات من الآن. أما إذا استطاع أن يضمن توزير أحد من المقربين إليه في وزارة الخارجية فإن بصماته ستبقى حاضرة، خصوصًا إذا لم يكن الوزير الجديد ليشكّل أيّ منافسة له، من خلال إطلالاته على العالم الخارجي ورسم علاقات وطيدة مع مفاتيح مهمة في عواصم القرار.

رئيس الحكومة اللبنانية الجديد يعتبر أن وجود قطّار إلى جانبه، حاجة ماسة. لذلك اختاره بداية لحقيبة الخارجية. لكن جبران باسيل المسكون بـ"هاجس" الرئاسة، رفض ذلك بشدة
رئيس الحكومة اللبنانية الجديد يعتبر أن وجود قطّار إلى جانبه، حاجة ماسة. لذلك اختاره بداية لحقيبة الخارجية. لكن جبران باسيل المسكون بـ"هاجس" الرئاسة، رفض ذلك بشدة

ويعتقد المراقبون أن إصرار دياب على توزير قطّار يعود إلى حاجته إليه في الملف الاقتصادي، نظراً إلى عدم إلمام رئيس الحكومة بمجريات الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان ومتطلبات حلها، في حين أن قطّار، عدا عن كونه يمارس السياسة من باب القناعات الفكرية، قادر على تبسيط الأمور الاقتصادية والمالية المعقدة وتقديم الحلول الناجعة.

أما جلوسه في صالون رئيس الحكومة في اليوم الأول للأخير في السراي الحكومي خلال استقبال بعض السفراء الغربيين، فقد حصل وفقاً للمراقبين فقط لأنّ قطّار سبق له أن استهلّ عودته الحكومية من خلال سلسلة اتصالات ولقاءات قام بها خلال الأسابيع الأخيرة مع صناديق دول مانحة وداعمة، ولذا، ومن باب “اللياقات”، شارك في أولى الجلسات الرسمية مع الدبلوماسيين المعنيين.

غير أن واقع الأمر، هو أن دياب غير الضليع في السياسة ولا الاقتصاد يحتاج إلى من “يرشده” سياسياً، وقطّار هو موضع ثقته ومؤهل للعب هذا الدور، لذلك سوف يشارك في كل الاجتماعات المماثلة لكي يستطيع دياب الإحاطة بالمواضيع التي ستناقش.

وزير إنقاذي

الحالة المالية في لبنان لن تتحسن إذا لم تتحسن الأخلاق، كما نقل عن قطار خلال تسلمه حقيبة وزارة التنمية الإدارية من الوزيرة السابقة مي شدياق
الحالة المالية في لبنان لن تتحسن إذا لم تتحسن الأخلاق، كما نقل عن قطار خلال تسلمه حقيبة وزارة التنمية الإدارية من الوزيرة السابقة مي شدياق

باب قطّار نحو السياسة فُتح عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسقوط حكومة الرئيس عمر كرامي في فبراير 2005، حيث تولّى ثلاث وزارات هي المال والاقتصاد والتجارة، في حكومة إنقاذيّة غلب عليها الطابع البيروقراطي شكّلها الرئيس نجيب ميقاتي والتي كانت مهمتها حينها إنجاز الانتخابات النيابية، ودامت ثلاثة أشهر فقط، لكنها كانت كافية لقطّار ليبني علاقة طيبة مع الجمهور، ويذيع صيته كخبير مالي مخضرم ومتحدث اقتصادي لبق ومقنع.

قطّار معروف بقربه من رأس الكنيسة المارونية في لبنان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، يشارك في معظم الاجتماعات الرعوية التي يعقدها البطريرك كما في كل استقبالات البطريرك ومناسباته العامة، حتى أن البطريرك لم يخف رغبته في أن يكون قطّار مرشحه إلى الرئاسة وذلك بعد انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في العام 2014 ودخول البلاد في فراغ رئاسي استمر زهاء سنتين ونصف السنة قبل انتخاب عون رئيساً في أكتوبر 2017. ولد في جزين عام 1960، ودرس الإدارة وعلم الاستراتيجيا، ثم تنقّل في أدوار استشارية بين العديد من المؤسسات المالية في الخليج ودرّس في جامعة القديس يوسف وجامعة الحكمة ببيروت، وأسس وشغل منصب عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأنطونية بلبنان.

ورغم أن الاقتصاد يغلب على معظم أحاديث قطّار الصحافية، إلا أنه يؤكد أن أولويته في الحكومة الحالية إلى جانب الرئيس دياب ستكون لعنوانين أساسيين؛ موازنة البلد التي فيها مكافحة الفساد عبر رؤية شاملة “غير كيدية”، ثم الأمن، حيث يمكن باعتقاده من هنا مواصلة بناء البلد حيث توقف.

يشدّد قطّار في أحاديثه على أنه، بعد الموازنة والأمن، سيعمل على تفعيل سياسة الجوار الأوروبية لتصل حد الشراكة، ثم إعادة ثقة واستثمارات الدول العربية، والعمل على شراكة القطاع الخاص والعام والبنى التحتية وتعزيز إنتاج المناطق، مما يفتح باب تعزيز  اللامركزية الموسعة، قبل أن نصل إلى فتح باب اعتمادات النفط والغاز. وخلال تسلّمه لحقيبة وزارة التنمية الإدارية من الوزيرة السابقة مي شدياق، أشار قطّار إلى أن الحالة المالية لن تتحسن في حال لم تتحسن الأخلاق، وأكد أن الفساد جريمة ضد ​البيئة​، و​حكومة حسان دياب​ هي حكومة اختصاصيين لتفعيل العمل في الوزارات، ومن هذا الموقع بالذات الوزير يرتاح حين يسمح لتفعيل العمل بين الوزارات. وأضاف أنه يحترم القانون ولا يحبّ أن يكون فاسدا، ولا أحد يستطيع إفساده، ويجب التفاوض وطرح موضوع ​مكافحة الفساد، والموضوع يجب أن يكون ركنا من أركان المحاربة.

العقل المستعار

قطّار تربطه علاقة وثيقة برأس الكنيسة المارونية في لبنان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، حتى أن الأخير لم يخف رغبته في أن يكون قطّار مرشحه إلى رئاسة الجمهورية
قطّار تربطه علاقة وثيقة برأس الكنيسة المارونية في لبنان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، حتى أن الأخير لم يخف رغبته في أن يكون قطّار مرشحه إلى رئاسة الجمهورية

وبين الولايتين الوزاريتين، لم يجلس قطّار على رصيف الانتظار، لا بل عمل على تطوير نفسه، كما يقول عارفوه، سواء من خلال تعميق مخزون تجربته الاقتصادية عبر التنقل بين العديد من المناصب الاقتصادية والاستشارية، أو من خلال توسيع مروحة علاقاته الداخلية والخارجية وتحديداً الغربية، ومنها بشكل خاص الحاضرة الفاتيكانية انطلاقاً من بوابة بكركي.

قد يؤخذ على قطّار أنّه من الذين ينتقلون برشاقة من محور إلى آخر، لكنّ عارفيه يجزمون أنّ الرجل ليس من طينة المستزلمين. وحدها كفاءته، باعتبارها جواز مروره، هي التي أبقت اسمه نظيفاً غير مخدوش بخدش الالتزام السياسي. بروفايله الاقتصادي المنكّه بالنكهة الغربية يغلب على ما عداه. ولذا تمسّك به دياب ليكون “عقله الاقتصادي” في الحكومة. حتى الآن، نجح قطّار في مخاطبة الرأي العام، فكان وقع توزيره طيباً عند شرائح كثيرة. وهو اليوم يواجه أصعب امتحاناته العملية، فإمّا “أن يكرم” وإمّا “أن يهان”.

8