دمٌ أغرق الخيال

الأحد 2016/04/24
حنظلة القرن الحادي والعشرين

السؤال الذي انطلق منه الملف موجع، ومربك في آن. لعمري وقفت حائرة، ما الذي يمكنني أن أتجاوز به ما يحدث في سوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن أو مصر، أو فلسطين.

ربما لا أبالغ إن قلت إن خيالًا روائيًا لم يصل إلى ما وصل إليه الواقع المعيش. ولأنني ابنة مخيم اليرموك، حيث فدح الجرح هناك، إذ قضى فيه ما ينيف عن المئة والسعبين جوعًا، رحت أفكّر، وأسئلة كثيرة تعاندني: كيف يموت المرء جوعًا في القرن الحادي والعشرين، أنا التي صدّع أبي رأسي بأمثاله حين كان يقول “الكلاب السارحة في الشوارع شبعانة”.

ذواكرنا ملأى بالموت والدّم، وأيوب مات. كل الدروب إلى الكتابة دم، أعرفهم كلهم أعرفهم، أولئك الذين نالوا ترف أن يتحولوا إلى ملصق.

أسير في شارع لوبية، أسمع أصواتهم حين هتفوا لفلسطين ذات يوم. هل كانت مخيلتي ستصل إلى أن يكون غسان الشهابي أو خالد بكراوي أو حسان حسان أو أيمن جودة أبطالًا لروايتي حيث هم شهداء الحرب القاتلة لكل ما هو جميل في الحياة؟

سأكون كاذبة لو قلت نعم، فحسان كانت لديه أحلام غزيرة بمسرح جديد، وكم كان يحلم أن يكون الممثل الذي لا يتكرر.

غسان كانت لديّ معه مشاريع عن الذاكرة الفلسطينية وما يمكن لدار الشجرة أن تنجزه لخدمة هذا المشروع.

هل كان خيال أيّ روائي سيصل إلى ما حدث لفاطمة التي أسكتوا قلبها بطلقة قناص وهي في طريقها إلى المشفى لتضع مولودتها الجديدة؟

أعتقد لا، حجم الدّم أغرق خيالاتنا، وبتنا عاجزين أمام فداحة الجرح.

نعم لا أقولها بصرامة، لأن روائيًا لن يخطر بباله ما كان يهذي به محمد ابن السنوات السبع الذي فقد أهله بفعل قصف، كان يسير مطلوسًا بالغبار، ولسانه يلهج بتهديد واضح "طيب والله بس أشوف الله لأحكي له كل شيء".

آن الأوان أن نرمي بالرقيب السياسي أو الديني في مزبلة الحياة، وصار لزاما على الكاتب أن يضع إصبعه في الجرح النازف أصلا آن الأوان أن تطلق الأسئلة على عواهنها، دون رتوش

وحنظلة القرن الحادي والعشرين، تلك الصورة التي انتشرت كثيرًا على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث ابن السنوات الثلاث الشهيد غريقًا في البحر، والذي قذفته الأمواج على الشاطئ، كان وجهه للأرض وحذاؤه في قدميه الصغيرتين في وجه العالم أجمع، ترى أيّ كلام أو أيّ سرد روائي سوف يليق بهكذا صورة؟

بعد كل ما قد كتبت، وبعد إعلان عجز الخيال أمام ما حدث ويحدث، أقول وبكل جرأة: إن على الرّوائيّ أن يمتح من الواقع دون لعب فيه، وهذا الواقع فيه من الغنى الرّوائيّ ما يفوق الوصف، على أن يثير الأسئلة المحقة ببعدها الإنساني المحض، دون أدلجة، لأن الصورة التي يمكن للسرد الرّوائيّ أن يطلقها كفيلة بواقعيتها أن تؤدلج إنسانيّة المتلقي.

فلا قيم في السّياسة، ولا قيم في الدين، الحاكمية لله وحده، هي ليست للسلطان السّياسي أو الدّيني.

آن الأوان أن نرمي بالرقيب السّياسي أو الدّيني في مزبلة الحياة، وصار لزامًا على الكاتب أن يضع إصبعه في الجرح النازف أصلًا. آن الأوان أن تطلق الأسئلة على عواهنها، دون رتوش.

هذا أنا أكتب ما تيسر من الرد على السؤال المطروح، وفي أذني صوت أبي علاء جاري، يتلو على جثة ابنه ما تيسر من سورة ياسين، وفي "جديدة" أسمع عجوزا تصرخ ملء جرحها: يا أهل النخوة واروه.

العجوز كانت ترجو المارة أن يدفنوا وحيدها بعد مجزرة هناك، وكان ابنها بلا رأس. طبعًا أحد لم يستجب لها، ليس لأن نخوة مفقودة عند سامعيها، فقط هو الخوف من أن يصبح صاحب النخوة هدف لطلقة قناص.

كاتبة من فلسطين

14