دم علي السيد وتفخيخ الحكومة بملف الجنود المخطوفين

الخميس 2014/09/04

ذبح تنظيم داعش الإرهابي الذي صار حجة الجميع على الجميع الرقيب علي السيد، هكذا قيل، هذا ما كان مطلوبا منا تصديقه تمهيدا لطي الملف، نسي الجميع أن علي السيد كان قد أعلن انشقاقه عن الجيش اللبناني التابع لدولة حزب اللات وفق تعبيره، نسي الجميع دعوته الشباب السنة للانشقاق عن الجيش.

كيف تقتل داعش أو النصرة جنديا سنيا منشقا عن الجيش اللبناني وهي حاربت الجيش لأنه في نظرها متحالف مع حزب الله وهو السبب نفسه الذي من أجله كان الشهيد قد أعلن انشقاقه.

لماذا ذبحت داعش جنديا سنيا في الأساس؟ هل تريد تعميق الهوة بينها وبين الرأي العام السني الذي تدّعي الدفاع عنه وتحويله إلى عدو معلن وقتل أيّ إمكانية لنيل مشروعية ما عند هذا الجمهور؟

هل تعمل داعش عند حزب الله وتصفي خصومه في الجيش وتبقي على الموالين له وتقضي على أيّ بادرة انشقاق حفاظا على ذلك الحلف الذي يراه الكثيرون قائما بين جزء من الجيش وبين حزب الله؟

من قتل علي السيد؟ هذا سؤال ظن الكثيرون أن تسليم جثته ونسب عملية الذبح إلى داعش سيختم النقاش بصدده. الأمور اتخذت منحى مغايرا فكل شيء قبل أن تتم عملية الذبح كان يشير إلى أنها ستحصل تحديدا في حق علي السيد دون سواه، وأن لا طرف محددا سيكون هو القاتل المعرّف الواضح والنهائي.

من القاتل إذن؟ هل هو من أمسك السكين حقا ونفذ عملية الذبح، أم أن القاتل الفعلي هو من كان السيّد قد أعلن انشقاقه عنه؟

هل قتل الجيش اللبناني علي السيد الجندي المنشق بسكين تجاهل الخروقات الفاضحة التي نفذ من خلالها حزب الله إلى جسم الجيش وعاث فيه فسادا كاد أن يحوّله إلى طرف صريح في الحرب ضدّ السنة، لولا ذلك الجهد الخرافي الذي بذل من جهات محلية وعربية ودولية لوقف هذا التغلغل الذي كان ينذر بتحويل البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة؟

هل قتل حزب الله علي السيد من أجل دفن روح الكلام البسيط والمباشر الذي قاله في تبرير هذا الانشقاق، وهو الكلام الذي يعلم جميع قيادات السنة من سعد الحريري إلى أشرف ريفي ونواب الشمال وبيروت أنه المعبر الفعلي عن سيكولوجيا الأعماق السنية أو المكنون السني إذا صح التعبير؟

قُتل علي السيد وأعتقد أنه سيكون الجندي الوحيد الذي سيذبح، فهو كائن مهدور ينتمي إلى منطقة مهدورة وطائفة مهدورة تحيا في وطن مهدور. إنه قتيل الهامش الذي ينتمي إليه والذي يشكل الخزان الحيويّ للجيش والذي وضع عاريا في مواجهة كل الإرهاب في البلاد، فتفرق دمه بين قبائل الدواعش الكثيرة من حزب الله إلى إهمال الدولة إلى داعش.

والد الشهيد قال وفي قلب المأساة إنه يتمنى أن يكون دم ابنه فداء لكل العسكريين الأسرى، لم يشهر ولايته على الدم السني ليعلن الحرب على الجميع باسم الجميع كما يفعل الجانب الذي يسيطر عليه حزب الله الذي لا يرى غضاضة في ظل هذه الأزمة الحادة من تحميل عرسال وأهلها مسؤولية خطف الجنود ومن ثمّ تحويل عملية التبادل المنتظرة بين الدولة والخاطفين والتي سيتمّ بموجبها إطلاق سراح المسجونين الإسلاميين في السجون اللبنانية مقابل إطلاق سراح الجنود إلى أزمة تهدّد بتفجير الحكومة اللبنانية.

يرفض التيار العوني الحرّ ومعه حزب الله وتيار وليد بيك مبدأ التفاوض مع إرهابيين متناسين أن مجرد تخصيص مبنى في سجن رومية لما يطلق عليهم اسم “المسجونين الإسلاميين” قد أعطى شرعية مسبقة لأيّ تصرف قد يقوم به أيّ طرف سني من أجل منح هؤلاء حريتهم، لكون اعتقالهم جرى خارج أيّ إطار قانوني، ما حوّله إلى اعتقال وحوّلهم إلى عنوان دائم وحيّ للمظلومية السنية المتفاقمة التي يأتي تنظيم داعش الآن ليعلن الانتصار لها.

تنظيم داعش لم يجد حتى اللحظة أيّ إطار مشروع فاعل داخل البيئة السنية، بل إن كل ما نجح في الحصول عليه من مشروعية متناثرة ولحظوية، إنما يبنى على ردود أفعال غاضبة يستثيرها عنف بلا حدود يتفجّر على المستويات كافة ضدّ السنة.

من هنا نفهم لماذا شغّل حزب الله كل ماكيناته الشعبية والإعلامية في هذه اللحظة باتجاه إطلاق الرصاص على عملية التبادل المنتظرة.

شهر الحزب حربه ضدّ عملية التبادل لأنه خارج المعادلة تماما ولا يمكنه بالتالي تنفيذ أيّ استثمار شيعي يظهره بمظهر منقذ الجنود الشيعة.

الإنجاز سينسب إلى الحكومة السنية في مفهومه وهو ما لا يحتمله الآن، خاصة مع إحياء صفقات تسليح الجيش اللبناني بمبلغ ثلاثة مليارات دولار، وقرب الوصول إلى نهايات سعيدة في هذا الملف.

حزب الله يعتبر أن نجاح الحكومة في التفاوض بالتزامن مع الشروع الجديّ في عملية تزويد الجيش بأسلحة متطوّرة يحرمه من الاستثمار التخريبي في كليهما، وهو الأمر الذي يرى فيه ضربة عنيفة لوجوده وصورته.

الأمر الآخر الذي يخطر على بال المرء استنادا إلى سياقات سلوكات حزب الله ومن معه هو أنه قد اعتاد على تغطية الكوارث بالكوارث، واستغلال الأزمات الكبرى من أجل التغطية على أمور خطيرة.

لذا أعتقد أن من واجبنا طرح السؤال التالي: هل يريد حزب الله صفقة تشمل إطلاق المسجونين الإسلاميين مقابل إطلاق ميشال سماحة ودفن كتلة الفضائح التي يختزنها والتي يُعدّ ما ظهر منها رأس جبل الجليد فقط، ثم التفرغ لإفشال انتخاب رئيس للجمهورية تمهيدا لإدارة توحّش مرحلة سقوط الأسد الوشيكة؟

4